بقلم: مادلينا شيلانو
عندما تُسيَّس حقوق الإنسان: مقاربة إيرانية من قلب أوروبا… في مشهدٍ إعلاميٍّ غربيٍّ تهيمن عليه السرديات الجاهزة والأحكام المسبقة، تكتسب المقابلة التي أجراها سعادة محمد رضا صبوري، سفير جمهورية إيران الإسلامية لدى إيطاليا، أهميةً خاصة واستثنائية. فقد نُشرت هذه المقابلة رسميًا في 12 ديسمبر/كانون الأول 2025، وأُدرجت ضمن السجلات الدبلوماسية، لتقدّم قراءة مختلفة وموثقة للتناقضات الكامنة في الخطاب الغربي المتعلق بحقوق الإنسان، ولتكشف كيف جرى توظيف هذه القيم العالمية كأدوات للضغط السياسي بدل أن تكون مبادئ أخلاقية جامعة.
عسكرة حقوق الإنسان
تتمحور الفكرة الأساسية في مداخلة السفير صبوري حول ما يمكن تسميته بـ«عسكرة حقوق الإنسان». فبحسب ما أوضح، لم يعد مفهوم «الحق» يُفهم بوصفه قيمة إنسانية كونية، بل جرى تحريفه وتحويله إلى ذريعة للتدخل السياسي وفرض العقوبات الاقتصادية.
وفي مفارقة صارخة، ترفع الدول الغربية شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان، بينما تؤدي العقوبات المفروضة على إيران إلى استهداف مباشر لحقوق المواطنين الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الصحة والحياة. إذ تحرم هذه الإجراءات القسرية المرضى من الأدوية، وتقيّد الوصول إلى المعدات الطبية والمواد الحيوية، ما يجعل من العقوبات سلاحًا غير معلن، لكنه بالغ التأثير والفتك.
وهكذا، تتحول مؤسسات تدّعي الالتزام بالديمقراطية والإنسانية إلى أطراف تمارس، عمليًا، نوعًا من العقاب الجماعي بحق شعبٍ كامل، في تناقض أخلاقي لا يمكن تجاهله.
حصن في مواجهة داعش والقاعدة
على خلاف ما تروّجه بعض وسائل الإعلام الغربية، شدد السفير صبوري على أن إيران كانت في طليعة الدول التي واجهت الإرهاب الجهادي السني، ولا سيما تنظيمي داعش والقاعدة، وغالبًا ما قامت بذلك منفردة أو في ظل غياب دعم دولي حقيقي.
وقد شكّل الدور الإيراني، وفق هذا الطرح، سدًا منيعًا في وجه تمدد هذه التنظيمات المتطرفة، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل بما حال دون انتقال التهديد الإرهابي إلى العمق الأوروبي. ولولا هذه المواجهة المبكرة والمكلفة، لكان المشهد الأمني في المنطقة والعالم مختلفًا وأكثر خطورة.
ومن هنا، تبرز مفارقة أخلاقية وسياسية لافتة: كيف تُعاقَب دولة قدّمت تضحيات جسيمة، بالدم والموارد، في مواجهة الإرهاب الذي يهدد الأمن العالمي؟
الخندق ضد تهريب المخدرات: درع لأوروبا
من الملفات الجوهرية الأخرى التي تناولتها المقابلة ملف مكافحة تهريب المخدرات. تقع إيران على أحد أخطر مسارات التهريب في العالم، الممتد من أفغانستان نحو الأسواق الأوروبية. وعلى الرغم من العقوبات التي تعرقل حصولها على تقنيات المراقبة الحديثة والتجهيزات الأمنية المتطورة، تواصل طهران مصادرة كميات ضخمة من المواد الأفيونية سنويًا.
وفي هذه المواجهة الصامتة، يدفع الإيرانيون ثمنًا بشريًا باهظًا، حيث يسقط آلاف العناصر الأمنية بين قتيل وجريح. ومع ذلك، نادرًا ما يُعترف بهذا الدور أو يُقدَّر دوليًا. فإيران، عمليًا، تحمي شوارع روما وباريس وبرلين من موجات مخدرات كان من الممكن أن تغمرها، وذلك من دون دعم دولي يُذكر، بل في ظل استهداف سياسي متواصل.
الحاجة إلى حوار صادق
تشكل مقابلة السفير صبوري دعوة واضحة إلى الواقعية السياسية والاعتراف بالحقائق بعيدًا عن الشعارات الأخلاقية الانتقائية. فإيطاليا، بوصفها شريكًا تاريخيًا لإيران، تمتلك فرصة حقيقية لإعادة النظر في مقاربتها، وتجاوز منطق «عسكرة» خطاب حقوق الإنسان، والنظر إلى الدور الإيراني بوصفه عنصرًا فاعلًا في الأمن الإقليمي والدولي.
إن الاستمرار في سياسة العقوبات والضغوط لا يؤدي إلا إلى إضعاف الأطراف التي تمثل، في الواقع، خط الدفاع الأول عن الاستقرار المشترك. أما البديل، فيكمن في حوار صادق، قائم على المصالح المتبادلة، واحترام الوقائع، لا على ازدواجية المعايير
إقرأ أيضاً: قوانين مالية حاسمة على طاولة مجلس الوزراء
