مبارك بيضون – مركز بيروت للأخبار
من حروب الدول إلى صراعات النفوذ، هكذا تحولت طبيعة الصراع في المنطقة…. ما يميّز هذه الحروب عن الصراعات العربية–الإسرائيلية السابقة، التي بدأت عام 1948، أن المواجهة لم تعد بين دولة ودولة، ولا بين جيش وجيش، بل تحوّلت إلى حروب متعددة الأطراف، دخلتها فصائل وأحزاب وتنظيمات عابرة للحدود. وأصبح ضابط إيقاع هذه المواجهات دولًا كبرى وإقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها في الشرق الأوسط، من الولايات المتحدة إلى روسيا والصين، وصولًا إلى إيران ودول الخليج ومصر وتركيا.
تركيا، التي قررت العودة لاعبًا أساسيًا في تركيبة المنطقة، اختارت أن تكون رأس حربة في مواجهة إسرائيل، وبدأت معركة توسيع نفوذها الإقليمي. ويمكن قراءة المباحثات التي أجراها رئيس جهاز مخابراتها مع رئيس حركة «حماس» خليل الحيّة في هذا السياق.
هذا المشهد بالغ التعقيد وصعب الفهم، لا سيما أن إسرائيل، وبعد عامين على معركة «طوفان الأقصى»، لا تبدو معنيّة بتحقيق السلام، بل بتكريس تفوّقها وانتصارها العسكري على مستوى المنطقة بأكملها. وعلى هذا الأساس، سيحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يظهر خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية بقدر من الأريحية، إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأهمية توجيه ضربة جديدة لإيران، ضمن أجندة أعدّها مسبقًا تحت ذريعة الخشية من عودتها إلى برنامجها النووي.
في المقابل، تبقى سوريا محورًا أساسيًا للصراع، وقد انتقلت إلى مواجهة جديدة عنوانها قتال تنظيم «داعش»، وهي مواجهة دخلت فيها خلال الساعات الأخيرة كل من الولايات المتحدة والأردن والعراق، تحت أنظار أنقرة ومراقبتها الحذرة. ولا ننسى الخروقات الأمنية للجيش الاحتلال الإسرائيلي في سوريا، ففي وقت تتنامى فيه العمليات العسكرية ضد داعش، يخرق الجيش الاحتلال مناطق متعددة ويقيم حواجز للتفتيش، مما يزيد من تعقيد الوضع في ظل ظرف إقليمي ودولي معقد. والنتيجة دائمًا أن المنطقة دخلت عصر التحولات، عصر فرض أمر واقع على مزاجية الاحتلال.
وسط هذا المشهد المتشابك، يبقى لبنان في قلب لعبة الدومينو الإقليمية. فقد أعلن رئيس الحكومة نواف سلام قرب انتهاء المرحلة الأولى من حصر السلاح جنوب نهر الليطاني، والانتقال إلى الشمال، لكن المعركة الحالية غير متكافئة، إذ أن إسرائيل ترفع حججًا مزعومة لسحب السلاح، في حين يسعى مخططها الحقيقي إلى مرحلة تحول كبرى تستغرق سنوات، تتجاوز حدود جنوب وشمال الليطاني. هذا الفخ يصعب على لبنان تجنّبه، ولا حول ولا قوة إلا بالصبر على مزاجية البعض وفهمهم المحدود لما يجري في المنطقة. في الوقت نفسه، يعود تنظيم «داعش» إلى واجهة الصراع، مع إعادة رسم موازين القوى ومسارات النزاع في المنطقة.
