باسم الموسوي

لم يعد الحديث عن أفول النيوليبرالية ترفًا فكريًا أو شعارًا احتجاجيًا، بل أصبح توصيفًا لمرحلة تاريخية تتآكل فيها الأسس التي قام عليها النظام الاقتصادي العالمي منذ نهاية السبعينيات. فالأزمات المتراكمة، من الانهيارات المالية إلى تفكك الطبقات الوسطى، ومن تآكل السيادة الوطنية إلى صعود الشعبويات، كشفت أن النموذج الذي قدّم نفسه باعتباره أفقًا نهائيًا للتنظيم الاقتصادي والاجتماعي بات عاجزًا عن إنتاج الاستقرار أو العدالة أو حتى النمو المستدام. في هذا السياق بالذات، تكتسب التجربة الصينية معناها العالمي، لا بوصفها مجرد «نجاح وطني»، بل باعتبارها مؤشرًا على تحوّل أعمق في تاريخ الرأسمالية نفسها.

قامت النيوليبرالية على فكرة مركزية مفادها أن السوق هو آلية التنظيم العليا، وأن الدولة عائق يجب تقليصه، وأن الخصخصة والتحرير المالي والانفتاح التجاري غير المشروط هي الطريق الحتمي للتنمية. غير أن هذا الوعد، الذي رُوّج له عالميًا عبر مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أنتج في الواقع اقتصادًا ماليًا منفصلًا عن الإنتاج، ومجتمعات عالية التفاوت، ودولًا ضعيفة أمام رأس المال العابر للحدود. ومع كل أزمة كبرى، من آسيا 1997 إلى 2008 وصولًا إلى صدمات ما بعد الجائحة، كانت النيوليبرالية تفقد جزءًا إضافيًا من شرعيتها الفكرية والسياسية.

على النقيض من ذلك، سلكت الصين مسارًا مختلفًا منذ أواخر السبعينيات. فالإصلاحات التي أُطلقت في عهد دِنغ شياو بينغ لم تكن قطيعة مع الدولة ولا استسلامًا للسوق، بل إعادة صياغة دقيقة للعلاقة بينهما. السوق استُخدم كأداة لرفع الكفاءة وتحفيز المبادرة، لكنه بقي مُدرجًا داخل أفق سياسي-تاريخي تقوده الدولة والحزب. لم تُفكك الملكية العامة في القطاعات الاستراتيجية، ولم تُسلَّم السياسة النقدية والمالية لقوى السوق، ولم يُختزل مفهوم التنمية في معدلات النمو المجردة، بل رُبط ببناء قاعدة صناعية، وبالسيطرة على التكنولوجيا، وبالحفاظ على التماسك الاجتماعي.

ما يجعل التجربة الصينية ذات دلالة خاصة في لحظة أفول النيوليبرالية هو أنها برهنت عمليًا أن النمو السريع لا يفترض بالضرورة دولة ضعيفة، وأن الاندماج في الاقتصاد العالمي لا يعني التخلي عن السيادة، وأن العولمة يمكن أن تُدار من موقع الفاعل لا التابع. فبينما أدت النيوليبرالية في كثير من بلدان الجنوب إلى تفكيك الزراعة والصناعة وتحويل الاقتصادات إلى أسواق استهلاكية أو ريعية، استخدمت الصين الانفتاح التجاري لجذب التكنولوجيا، وفرضت شروطًا على الاستثمار الأجنبي، وربطت الاندماج الخارجي باستراتيجية تصنيع طويلة الأمد.

ومع وصول شي جين بينغ إلى السلطة، اتخذ هذا المسار بعدًا أكثر صراحة. لم يعد الحديث يدور فقط حول «النمو»، بل حول الأمن الاقتصادي، والاكتفاء التكنولوجي النسبي، وتقليص التفاوتات، وإعادة الاعتبار لدور الدولة في التخطيط والتوجيه. هذا التحول لم يكن انعكاسًا لنزعة أيديولوجية مغلقة، بل استجابة مباشرة لتناقضات النظام النيوليبرالي العالمي نفسه، الذي بات يستخدم التجارة، وسلاسل الإمداد، والعملة، كأدوات صراع لا كآليات تعاون.

في هذا الإطار، يمكن فهم مبادرات الصين العابرة للحدود، وعلى رأسها مبادرة الحزام والطريق، بوصفها محاولة لإعادة ربط الاقتصاد العالمي بالإنتاج والبنية التحتية، لا بالمضاربة المالية وحدها. فهي، مهما اختلفت التقييمات حولها، تعبّر عن تصور بديل للعولمة، يقوم على الاستثمار المادي، والربط الإقليمي، وتوسيع هوامش القرار أمام الدول المشاركة، بدل إخضاعها لشروط التقشف والخصخصة.

إن أفول النيوليبرالية لا يعني بالضرورة انتصار نموذج واحد أو نهاية الرأسمالية، بل يعني دخول العالم مرحلة تعددية في مسارات التنمية والحداثة. والتجربة الصينية، بكل تناقضاتها وحدودها، تكشف أن ما قُدّم طويلًا باعتباره «قانونًا اقتصاديًا طبيعيًا» لم يكن سوى خيار تاريخي-سياسي يخدم مصالح محددة. ومع تراجع هذا الخيار، تعود أسئلة الدولة، والسيادة، والعدالة الاجتماعية، والتخطيط، إلى صدارة النقاش العالمي.

من هنا، لا تُقرأ الصين فقط بوصفها قوة صاعدة تنافس الغرب، بل كمرآة تعكس أزمة النموذج الذي حكم العالم لعقود. فحين تفشل النيوليبرالية في مركزها، ويُعاد التفكير في دور الدولة حتى في الاقتصادات الغربية نفسها، يصبح «المسار الصيني» جزءًا من نقاش كوني أوسع حول ما بعد النيوليبرالية، لا استثناءً غريبًا عنها. وفي هذا المعنى العميق، فإن أفول النيوليبرالية لا يُقاس فقط بانهيار سياساتها، بل بصعود بدائل عملية تُظهر أن التاريخ لم ينتهِ، وأن الاقتصاد، شأنه شأن السياسة، يظل مجالًا للصراع والاختيار لا للقدر المحتوم.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com