عبد الغني طليس
الفضيحة المزلزلة التي يتم الكلام عليها اليوم قبل أن تصبح غداً على كل المنابر والمنصات، وبالأسماء الكاملة التي لن أذكرها هنا، تكاد تقدّم صورة عن هذا الزمن السياسي المَقيت جملةً وتفصيلاً ..
شيخ شمالي معمّم صاحب موقع إفتائي رسمي، ومعه صاحب محل دهان بويا سيارات من عكار، إتفقا على انتحال شخصية أمير سعودي “وهمي” ونشَطا باسمه، وبصوته التلفوني الذي تولّاه صاحب محل البويا الذي يتقن اللهجة السعودية من دون أن “يظهر” على أحد، فارتبطا بعلاقات مع شخصيات سياسية لبنانية كبيرة، باسم الأمير “أبو عُمر”..
وكان الدهّان يتولّى التواصل معهم كأنه “الأمير” ويعدُهم بمواقع نيابية ووزارية وأُعطيات، فينساقون إليه وإلى وعوده المالية والرسمية، من خلال “الصوت” فقط، ويبتزّهم مالياً لصالح الشيخ المعمّم باعتباره الوحيد الذي يتواصل مباشرة مع “أبو عُمر”( يعني مع المتكلّم) وقد وصلت مواصيله إلى سمير جعجع، والرئيس فؤاد السنيورة وغيرهما، والوصية الوحيدة عنده كانت ألا يُخبرَ أحد سفير المملكة العربية السعودية أو يسأله عن الأمر، لأن “الأمير” المزعوم يتصرف في لبنان من خارج القناة الرسمية التي هي السفارة، ويمون على كل شيء في السعودية ولا يريد إثارة حساسية السفير!
منذ متى هذه”التنصيبة” الجهنمية”؟ منذ ٢٠١٥ حتى الآن، وكانت إحدى مفاعيل “اتصالاته” انقلاب أصوات النواب من ترشيح نجيب ميقاتي إلى رئاسة الحكومة إلى ترشيح نواف سلام …
أغرب من الخيَال؟ وأكثر.. فالتفاصيل التي تجمّعت لدى الاستخبارات اللبنانية ملآنة بدسَم المواد، ومنها استفادة الشيخ المعمّم وأبنائه بمرتبات شهرية من شخصيات مالية بارزة، ل”تسهيل” أمورهم في المملكة السعودية.. وكلّه وَهْم وتشبيح وابتزاز وتدجيل على المجتمع السياسي اللبناني!
الأسرار اليوم، لن تكون غداً أسراراً. وفضيحة من هذا النوع الجارف ستوقع كثيرين في حبائلها، والأسماء طنانة رنّانة.
ويقال إن السيدة بهية الحريري هي الوحيدة التي فاتحَت السفير السعودي بأمر “الأمير” الذي جاء إليها معزياً في مناسبة عائلية، فذُهل بالقصة، وتابع الموضوع بدقة، فانكشفت الأوراق على غاربِها..
أُفْفْفْفْ… حتى غازي كنعان لم يخطر بباله هذا الدهاء المقترِن طبعاً بالغباء السياسي اللبناني عند أغلبية وجهاء السياسة الذين ما أن يسمعوا باسم المملكة العربية السعودية حتى ترتخي مفاصلهم، ويخرّون طالبين “الأمر”.. والمال..والغرابة أن “أبو عُمر” كان يعطيهم الوعود المفرّغة فقط، هاتفياً، والشيخ يقبض الأموال وجاهياً ويتقاسمها سوياً وإياه..و الوعود كانت .. مراكز ومنها النيابة لفاقديها !
هي طعنة نجلاء للمملكة، قد يتحمل مسؤوليتها لدى مسؤولي المملكة، السفير في بيروت كونها مستمرة منذ عشر سنوات .. وتجري تحت أقدامه، من دون أن يجرؤ أحد من الذين “شملتهم” نعمة” إتصال “الأمير”- دهّان بويا السيارات،بهم، على مفاتحة السفير بالأمر!
هذا هو لبنان، يا سادة يا كرام، وهذه هي السياسة اللبنانية في وجهها التاجر الفاجر، وهذه هي الحكاية التي ستولّد حكايات يتسلّى بها الناس في الأيام المقبلة !
