يحتفلون في الـ 18 من شهر كانون الأول بيوم اللغة العربية، تكريماً لها، وتعظيماً لشأنها، وتمييزاً للغةٍ عظيمةٍ من بين لغاتِ العالمِ والبشر.
لكن يومَ اللغة العربية لا يؤدي شيئاً في خدمة هذه اللغةِ المميزة، بل يقتصر على عباراتٍ وأقوالٍ يتداولها الناسُ، ويستعينُ بعضُهم ببعضٍ لإسعافه على تذكّر قولٍ أو نظمِ عبارةٍ وثيقةِ العرى، قبل أن ينساها في باقي الأيامِ كأنها لم تكن شيئاً، حيناً من الدهر.
ماذا أعطوا اللغة العربية حتى يحتفلوا بيوم لها؟!
لا لومَ في ذلك، ولا دعوةَ إلى إلغاء اليوم، بل تقريرٌ لواقع، ونظرٌ في ما يمكن أن يكون أكثرَ نفعاً في قابلِ الأيام والأزمان. فاللغة العربية مهملةٌ في بلادها، غريبةٌ في بلادٍ أخرى، وقد يُعرض عنها في مناهجَ، ويُساء تدريسُها في أخرى، وقد لا تُعطى حقُها في غيرِ ذلك.
وإذا تخصصَ عربيٌ فيها، فإن مآل بضاعته الكساد، وهو يحسب نفسَه أنه فاز بالمنى، فلا تقديرَ لاختصاصه، ولا امتنانَ لعلمه، ولا جزاءَ موفوراً لعمله به.
ماذا تمجّدون في الـ 18 من كانون الأول؟ وقد تضافرت جهودكُم على إنكار حق العربية وأهلِها، فضلاً ومكانة وعائداً؛ فإذا أراد أحدٌ ما الخطابةَ كتب له آخر نصَّه، ثم لم يجدوا للكاتب في ذلك فضلاً؛ وإذا كتب واحدٌ ما نصاً، راجعه ذو العلم لا جزاء ولا شكوراً، يمنّون عليه كأن لهم الفضلَ، ويرطنون بعجمتِهم كأنَّ لغاتِ الآخرين أشرفُ قدراً، وأعظم منزلةً، وأبدع عقلاً، من اللغة العربية وتراثها العظيم، وقد حوت من ثقافاتِ الشعوب وخبراتِهم الكمَّ العظيمَ والنوعَ الباذخَ، لأنها لم تكن يوماً لغةَ العصبية فـ “من تكلّم العربية فهو عربي”، وإن أتى به إلى دوحتِها عرقٌ أو بلدٌ أو لسانٌ…
بمَ يفخرون من خدمتهم لها، وقد أساءوا إليها في أول طريق المتعلّمين نحوَها، إذ حرموهم العنايةَ اللائقة التي يولونها لطلاب اللغاتِ الأخرى، التي يعتقدون أنها أرفع شأناً. ثم أساءوا ثانية في أوسط تلك الطريق، والشباب يشبّون على حبّها ومعارفها، إذ لم يبذل القيّمون في مجتمعاتِنا كبيرَ جهدٍ في رعاية طلاب العربية، قبل أن يبلغ طلابُها آخر مراتبِ الدراسةِ والعلم. وفي السياق، حرموا العربية عصاراتِ العقول البشريةِ فلم يترجموا لها منتجات العالم الحديث، والاختراعاتِ والآداب، واعتبروا ما هي فيه وعليه من أوضاعٍ يكفي ويزيد، إذ لم يعتقدوا في زهوهم واغترابهم عن ذواتهم وتراثهم أنها تستحقُّ ما أبدعه الناسُ والعصرُ والحضاراتُ، وأنَّ حياتَها كما اللغات الأخرى باتصالها الدائمِ بمصادرِ المعرفةِ البشرية!
ماذا يقدمون لابن العربية وناصرِها غيرَ الخذلان على كلّ المستويات المعنوية المادية؟
هل مدحَ والدٌ ولدَه على طلَبِه العربيةَ واجتهادِه في ذلك أم تراه حبّذَ إليه اللغةَ الأجنبيةَ كالإنكليزية والفرنسية والإسبانية … حتى الصينية، ومرادُه دولارات ويوروات ويوانات وذهبٌ وفضةٌ!
هل مدح شخصٌ شخصاً لأنه تخصص في العربية وعلومها أم نظرَ إليه تلك النظرةَ التي تجمعُ الإشفاقَ إلى الاستعلاءِ أنه لم يجدْ صفّاً ينتسب إليه، واختصاصاً يلمّه ويحتويه، ومستقبلاً جديراً؟!
هل استحقَّ صاحب العربية عائداً جزيلاً في عمله كمثل غيره ممن يرطنون باللغات الأجنبية، ولو احتاجوا الأول لإقامة اعوجاجِ ألسنتِهم ونصوصِهم وخطاباتِهم؟
أقطع جازماً: لا.
من جهة أخرى، أهل العربية ممن يزعمون حبَّها هم من كبار المسيئين إليها، لأنهم دوغمائيون منغلقون، يرفضون مسايرةَ لغةَ الأمةِ الحياةَ والمجتمعَ والطبيعةَ، ويقيّدونها بقواعد نظّروا لها، ثم فرضوها من خارجٍ على اللسان العربيّ، فيما اللسان عقل الأمةِ، وتراثها، وناقل حضارتها، ورأسمال الأجيال الآتية إلى يوم الدين، يتلاقح مع الألسن الأخرى، ويقترض منها، ويخلّق المفردات والعبارات بإبداع وسلاسة.
استشهد في المقام بأكاديمي عراقيّ، علّق على تعليقٍ لي على موقع التواصل “فايسبوك” بشأن معنى فعلٍ، قصره إعلاميّ مصريٌ على معنى واحد أو يكاد، فخالفته، وأوردت شاهداً من معجم لغوي للمتأخرين، فما كان من العربي العراقي إلا أن جفا، وتعالم، وقصرنا على المعاجم الأولى والقديمة، فأرسلت إليه شعراً للمثقّب العبدي وفيه الفعل ومعناه كما أوردت وجاء في المعجم. وبيت القصيد أن الأكاديمي المتقعّر والسلفيّ تعصّب لقوله، دون الخلق من متقدّم ومتأخّر، ولو اقتدينا بهديه لضللنا وهوينا، لكنه اللسان العربي الواسع والرحب.
يبقى أنني – العربي – أكبرُ تعظيمٍ للّغة العربية، وقد اخترتُها على علمٍ وقناعة، وبذلتُ في سبيلها وقتاً وعمراً، ومجّدتُها في كل آنٍ، واعتقدتُ شرفَها دائماً، وبذلتُها لكلّ شخصٍ بكرمٍ، ونقلتُها إلى مَن يرغبُ ويستحقُ بلا منّةٍ، وأورثتُها أولادي، ونشرتُها حيثما قدرتُ، ودعوتُ لها في كل محفل.
فليكن كل يوم عيداً واحتفالاً بلغتنا الرائعة، وإصراراً متجدّداً على الإخلاص لها، ووفاءً لأجدادنا وأسلافنا – نحن الشرقيين العرب – وإثراءً لها بكل مستحدث وجديد ومعاصر من الفكر والاجتماع والفن والصناعات حتى يأذن الله بيوم تكونُ لهذه الأمة المتلاطمة حضورها بين الأمم الرائدة بما تستحق.
أستذكر في المقام وللمناسبة شخصين احتفاءً:
أستاذي الراحل الدكتور عصام نور الدين ابن الجنوب اللبناني الذي كان يردّد في درس اللسانيات قوله: “يقول أجدادكم العرب”، والدكتور جورج غريغوري، الأكاديمي الروماني المستعرب، والعاشق للغة العربية وشعوبها، ولا سيما بغداد.
طارق قبلان
18-12-2025
