باسم الموسوي
ليست قضية اضطهاد المرأة مسألة ثقافية أو أخلاقية فحسب، وليست نتيجة سوء نية فردية أو تحيزات شخصية عابرة. إنها بنية متكاملة تُنتج هيمنة متجددة، ويقع في قلبها النظام الاقتصادي الحديث: الرأسمالية. فهذه الأخيرة لا تكتفي باستغلال العمل، بل تُعيد إنتاج الفوارق الجندرية كجزء من آليتها، وتستنزف طاقات النساء بطريقة لا تراها الإحصاءات الرسمية، ولا يعترف بها السوق، رغم أنّه قائم عليها.
في قلب الرأسمالية الحديثة، تُقدَّم الحرية الاقتصادية بوصفها الوعد الأكبر: إذا عملتَ أكثر، ستحصل على أكثر. لكن ما لا تقوله الرأسمالية هو أنّ المرأة تعمل أكثر أصلاً—مرّتين أو ثلاثاً أكثر من الرجل إذا احتسبنا العمل المنزلي والرعائي غير المرئي—ومع ذلك تحصل على أقل، أقل في الأجر، في الترقّي، وفي القدرة على السيطرة على الوقت والحياة. إنّ مقياس النجاح الاقتصادي ذاته مبني على نموذج ذكوري يفترض وجود “عامل حرّ من الالتزامات”، وهو نموذج لا ينطبق على النساء لأنّهنّ يحملن عبئاً كاملاً من العمل غير المدفوع الذي لا يحتسبه الناتج المحلي، لكنه ما كان ليقوم من دونه.
هكذا يصبح اضطهاد المرأة جزءاً عضوياً من آلية السوق نفسها. فالسوق، الذي يدّعي الحياد، لا يملك وجوداً مستقلاً عن المجتمع. هو شبكة من القرارات البشرية، تُتخذ داخل مؤسسات يهيمن عليها الرجال، وبمعايير صُمِّمت في تاريخ كان الرجال فيه وحدهم أصحاب القرار. لذلك، حين نقول إن الرأسمالية “تكافئ الكفاءة”، فنحن في الحقيقة نصف نظاماً يُكافئ من يستطيع أن يتفرغ كلياً للعمل: من لا ينجب، ولا يرضّع، ولا يعتني بطفل مريض، ولا يقطع يومه بنوبات رعاية، ولا يُحاسَب اجتماعياً إن تأخر عن عشاء الأسرة. أي أننا نصف الرجل، لا الإنسان.
ثم تأتي الفجوة في الأجور لترسّخ هذا الواقع. ليست الفجوة رقماً اقتصادياً عارضاً، بل مرآة لتراتبية كاملة: الرأسمالية تُقيّم الوقت الذكوري أعلى من الوقت النسائي. وقت الرجل “أكثر قيمة” لأنه متفرغ، ووقت المرأة “أقل قيمة” لأنه متداخل بين العمل والرعاية. بهذا المعنى، الفجوة ليست ظلماً في توزيع الدخل، بل آلية لفرض التبعية: إذا كانت المرأة تكسب أقل، فهي تعتمد أكثر. وإذا اعتمدت أكثر، أصبحت خياراتها أضيق—في الزواج، في العمل، في الطلاق، وفي القدرة على مغادرة بيئات مسيئة. الاقتصاد هنا يتحول إلى سجن اجتماعي ناعم.
الرأسمالية أيضاً تُعيد إنتاج التحيز بذكاء شديد، من دون أن تظهر كفاعل مباشر. فهي تخلق بيئات عمل تُقاس فيها الجدارة بأسلوب ذكوري: ساعات أطول، حضور دائم، قدرة على الاستجابة الفورية، تفرغ كامل. وهذه ليست خصالاً إنسانية محايدة، بل هي امتيازات مبنية على وجود شخص آخر (غالباً امرأة) يقوم بكل ما هو “خارج المكتب”. الرجل مدير لأنه متفرغ، والمرأة أقل حظاً لأنها تعمل في وظيفتين. الرأسمالية تكافئه على تفرغه، وتعاقبها على التزامها بالأسرة، ثم تُسمّي هذا فرقاً في “القدرة التنافسية”.
ليس هذا فحسب، بل إن قطاعات كاملة—مثل المال والأعمال والاستشارات والتكنولوجيا—تستند إلى ثقافة ذكورية مغلقة: اجتماعات غير رسمية في الحانات، تفاهمات تُبرم في دوائر رجالية، فرص تأتي عبر شبكات لا تستطيع النساء دخولها، وسياسات ترقّي مبنية على “من يشبهنا”. هنا يصبح السوق جهازاً لإعادة إنتاج الذات: الرجال يختارون رجالاً، يثقون برجال، ويراهنون على رجال، لأن “النموذج القيادي” الذي صنعوه يشبههم.
الرأسمالية لا تضطهد المرأة لأنها تكرهها، بل لأنها تحتاج إلى وجودها في المجال غير المدفوع لكي تستمر. إنها تعمل على أساس تكلفة مخفية: الوقت الذي تمنحه الأم لأولادها، العناية بكبار السن، التنظيم المنزلي، دعم الرجل نفسه في حياته ومهنته—all ذلك يقدَّم مجاناً، ويُعامل كأنه “طبيعي” أو “غريزي” أو “جزء من دور المرأة”. بينما هو في الحقيقة شغل اقتصادي ضخم، تُبنى عليه حياة السوق من دون أن يعترف به.
في المقابل، ترفع الرأسمالية شعار meritocracy—حكم الجدارة—لتبرير استمرار اللامساواة. لكنها جدارة مصنوعة، لا طبيعية. فالنساء يدخلن سباقاً لم يُصمَّم لهن، ويُقارنّ بلاعبين لا يحملون الأعباء نفسها، ثم يُقال لهن إن المشكلة في “ضعف الطموح” أو “نقص الثقة بالنفس”. هكذا يتحول الظلم البنيوي إلى اتهام شخصي.
والنتيجة النهائية؟
عالمٌ تبدو فيه المرأة “أقل حضوراً” لأنها تُستنزَف، و“أقل إنتاجاً” لأنها تُحمَّل فوق قدرتها، و“أقل كفاءة” لأنّ أدوات القياس منحازة منذ الأصل. إنّها نسخة اقتصادية معاصرة من النظام الأبوي، ولكن بثياب السوق الحرة.
غير أنّ اضطهاد المرأة في الرأسمالية لا يؤذي النساء وحدهن. إنه يؤذي الاقتصاد ذاته. فعندما يُقصى نصف المجتمع عن المشاركة الكاملة، يفقد العالم نصف مواهبه، ونصف قدرته على الابتكار، ونصف طاقته الإنتاجية. الرأسمالية التي تدّعي العقلانية تمارس أكثر أشكال اللاعقلانية فجاجة: تهدر طاقات بشرية هائلة، وتبقي النساء في مواقع أقل، ثم تتساءل لماذا لا يتقدّم النمو، ولماذا تتعثر الإنتاجية، ولماذا لا تتنوع القيادة.
لكن التحرر ليس مستحيلاً. ما يحتاجه العالم ليس تحسين موقع المرأة داخل النظام، بل إعادة تصميم النظام نفسه بحيث يُعاد توزيع الرعاية، ويُدعم العمل غير المدفوع، وتصبح القدرة على الموازنة بين الحياة والعمل حقاً لا امتيازاً، ويُعاد تعريف “النجاح” بعيداً عن النموذج الذكوري الذي حوّل العمل إلى دين، والزمن إلى سلعة.
إنّ الرأسمالية في شكلها الحالي تضطهد المرأة لأنها بُنيت على استغلالها، ولأنّها تفترض وجود امرأة تعمل في الخلفية لكي يتفرغ الرجل للمشهد. والتحرر الحقيقي لن يحدث إلا حين تصبح بنية السوق نفسها خاضعة للمساءلة، وحين يعترف الاقتصاد بأنّ نصف العالم ليس قوة عاملة احتياطية، بل نصف العقل البشري، ونصف المستقبل.
إنّ نضال المرأة ليس صراعاً على “فرص عمل”، بل صراع على إعادة تعريف ما يعنيه أن تكون إنساناً في اقتصاد لا يعترف إلا بما يُباع ويُشترى. وحين تستعيد النساء زمام تعريف العمل والقيمة والجدارة، لن تتحرر المرأة وحدها—بل يتحرر المجتمع كله من نظام يستعبد الجميع بطريقة أو بأخرى، وإن كان يستعبد النساء أولاً وأكثر.
عاجل
- بيضون: المقاومة استعادت “عافيتها” وإسرائيل تفاوض تحت النار لفرض أطماعها
- غارة معادية استهدفت بلدة باتوليه
- بالفيديو: غارة إسرائيلية معادية استهدفت سيارة في الحوش – صور
- قذائف مدفعية معادية استهدفت محيط جبل بلاط – بنت جبيل
- إنذارات بالاخلاء لمبان في الكفور وأنصار
- عاجل: إصابة طفيفة في صفوف فريق عمل قناة الميادين أثناء تغطيتهم الغارات
- عاجل: الطيران الحربي الإسرائيلي يغير مستهدفًا الموقع المُهدد في بلدة الكفور
- عاجل: الطيران الحربي الإسرائيلي يغير مستهدفًا الموقع المُهدد في بلدة جرجوع
