كتب العميد مالك أيوب. خبير في الشؤون الأمنية والسياسية
حين سقط القائد… ارتجّت المعادلة… لم يكن استشهاد سماحة السيد حسن نصرالله مجرّد حدثٍ على خط الزمن، بل كان الزلزال الذي اهتزّت معه التوازنات في لبنان والمنطقة. لحظة السقوط لم تُسقط الرجل وحده، بل كشفت هشاشة منظوماتٍ كانت تستمد استقرارها من وجوده، فارتجّت المعادلة التي بُنيت فوق خطوط الردع، وتكشّفت أسئلة كبرى حول مستقبل بلدٍ اعتبره البعض — وأنا منهم — «غلطة تاريخ» تُصِرّ الجغرافيا على إبقائها حيّة رغم كل محاولات شطبها.
تسارعت الأقلام تبحث عن مرحلة ما بعد نصرالله ، بينما كان العالم يضيق ذرعًا بمحاولة فهم لبنان. بين من وصفه بالفائض الجغرافي ، ومن ظنّه خطأً تاريخيًا، وبين توم براك الذي خيّره صراحة بين لبنان السوري ولبنان الإسرائيلي ، ورؤية ترامب للمنطقة كمشروع عقاري، ونظرة نتنياهو إليها كمشروع توراتي… بدا وكأن الجميع يتخبّط أمام سؤال واحد: ماذا بعد سقوط القائد؟
لكن «البقرة» لم تسقط كي تُشحذ السكاكين. فالمقاومة التي صمدت في ساحات النار لم تفقد زمام نفسها. تتعافى بصمت، تعمل دون غبار ، تضمد الجراح، تقنّن الأنفاس ، وتنتظر اللحظة التي تعيد فيها رسم خطّ التوازن وفرض معادلة ردع جديدة، عندها يفهم الجميع انه حان وقت إعادة الاعتبار.
أما نتنياهو، المأزوم داخليًا والمهزوم نفسيًا، فيقفز كالبطة العرجاء بين الساحات من غزة إلى اليمن إلى لبنان وإيران، لكنه عاجز عن متابعة أي من تلك الحروب من دون تورّط أميركي مباشر. سنتان من العجز عن سحق حماس، وفشل في تفكيك بنية حزب الله العسكرية، وعجز أمام الحوثيين، وإخفاق في إسقاط النظام الإيراني… كل ذلك جعله يبحث عن نجدة واشنطن التي يحاول جرّها إلى معاركه العبثية .
غير أن التحوّل النوعي جاء من واشنطن نفسها، مع صدور «وثيقة الاستراتيجية القومية» التي شكّلت ضربة قاسية لمشروعه. الوثيقة تدعو إلى عدم التورّط في حروب خارج نطاق الأمن القومي الأميركي، في استعادة لمبدأ مونرو، وترى أن الشرق الأوسط لم يعد أولوية عسكرية بل اقتصادية فقط، مع التركيز على دورَي السعودية وتركيا وتقييد نفوذ القوى المعادية لواشنطن مثل الصين وروسيا وإيران.
هذا التغيير جرّد نتنياهو من الركن الثابت الذي لطالما اعتمد عليه. فالدبلوماسية الأميركية تسعى فقط لمنع سقوطه السياسي وليس لمساعدته على الانتصار العسكري، كما ظهر في غزة، وفي حرب الأيام الـ12 مع إيران، وفي إدارة التوتر جنوب لبنان.
وبعد عام من العجز عن كسر حزب الله، جاء توم براك ليقول: «ليس ضروريًا تسليم سلاح حزب الله، بل سنمنعه من استخدامه». وهذا التصريح، القادم من موقع كان لا يقبل أصلًا بوجود هذا السلاح على الطاولة، يعكس تحوّلًا جذريًا في التفكير: من مطلب «نزع السلاح» إلى واقع «التعايش مع السلاح».
لبنان اليوم يقف عند تخوم مرحلة انتقالية معقدة. إسرائيل غير قادرة على الحسم، الولايات المتحدة غير راغبة في التورّط، والمقاومة تعيد بناء نفسها في الظل. قد يكون البلد «غلطة تاريخ» على الأقل في نظري ، لكنه غلطة عصيّة على التصحيح، لأن قوته تكمن في قدرته على النهوض من تحت الركام في كل مرة نقرأ فيها الفاتحة على روحه .
لا سلام بلا توازن، ولا توازن بلا ردع، ولا ردع بلا قوة تعرف كيف تحمي ذاتها عندما يضيع الآخرون… وحين سقط القائد، ارتجّت المعادلة، لكنها لم تُمحَ.
