بقلم الدكتور أسامة توفيق مشيمش

بناء الدولة لا يبدأ من القصور الحكومية ولا من الدساتير المكتوبة بحبر فاخر، بل يبدأ من الإنسان نفسه، من ذلك الفرد الذي يقرر في لحظة صدق أن يعيش أخلاقه قبل أن يرفع شعاراتها، وأن يكون قدوة قبل أن يكون ناقداً، وأن يحاسب ذاته قبل أن يهاجم الآخرين. فالإنسان هو الخلية الأولى في جسد الوطن، فإذا كانت هذه الخلية سليمة صحّ الجسد، وإذا فسدت تعطّلت الدولة مهما علت الشعارات ومهما عُقدت المؤتمرات.

الإنسان الذي يقرأ التحذير على علبة السجائر بأن “التدخين يقتل ويسبّب أمراضاً سرطانية”، ثم يُشعل سيجارته بطمأنينة وكأن التحذير موجّه للكواكب الأخرى، عليه ألا يزعجنا بمحاضراته عن “الحياة الصحية” أو عن “واجب حماية الجسد”. إنّ المصداقية ليست كلمة تُقال، بل فعل يُمارس. ومن يصرّ على إلحاق الأذى بنفسه بإرادة كاملة يُشجّع من حوله، ولو من دون قصد، على المشاركة في انتحار بطيء. ولا يمكن لمن يستهين بحياته أن يقدّر حياة الآخرين أو أن يكون معلّماً لهم في شؤون الصحة أو الحكمة.

والإنسان الذي يُطالب الآخرين بالصدق وهو يكذب، ويُنادي بالمبادئ وهو يساوم عليها في أول اختبار، عليه أن يدرك أنّ الأخلاق لا ترتفع بالشعارات بل بالسلوك. فالحكمة ليست في أن يعرف الإنسان طريق الفضيلة، بل في أن يسلكه ولو وحده، وأن يُقاوم إغراءات التبرير وتزويق الأخطاء. كثيرون يعرفون الحق، لكن القليل يعيشونه.

وتصل الأخلاق إلى أعلى درجاتها حين يترفع الإنسان عن استغلال حاجات الآخرين أو ضعفهم. فكما أنّ استغلال الضعفاء خطيئة مهنية عند رجل الدين أو السياسي، هو أيضاً خطيئة في حقّ كل إنسان. من يمنح وظيفة مقابل تملّق، أو يسهل معاملة مقابل هدية، أو يستغل موقعه ليفرض نفسه على الآخرين، كلّهم شركاء في انهيار المجتمع من الداخل. الأخلاق هنا ليست مسألة دين أو طائفة أو ثقافة، بل مسألة إنسانية خالصة، فهي أرقى من الأعراف وأقوى من القوانين.

وتفرض الأصول الوطنية على كلّ إنسان، مهما كان موقعه أو مهنته، أن يمتنع عن نشر الكراهية. فالتحريض ليس شجاعة، والصراخ ليس بطولة، والعدائية ليست رأياً. حتى لو اختلفتَ مع الآخر، وحتى لو كان موقفه قاسياً أو مُستفزاً، فكرامتك تُحفظ عندما تُحسن الردّ لا عندما تُسئ إليه. الوطنية ليست في رفع العلم، بل في احترام من يعيش تحت العلم نفسه، مهما اختلف لونه واعتقاده. ولو أدرك الناس أنّ كلمة واحدة قد تشعل شارعاً، أو تدمّر أسرة، أو تهدم علاقة بين جماعتين، لأمسكوا ألسنتهم كما يُمسك أحدهم جمرة نار.

وفي بلد يريد أن يبني دولة حديثة، لا بد أن يخضع الإنسان – كل إنسان – لمعيار العلم والمعرفة. كما يُطلب من رجل الدين أن يكون متعلماً، كذلك يُطلب من المواطن أن يعرف قوانين بلده قبل أن ينتقدها، وأن يقرأ قبل أن يحكم، وأن يبحث قبل أن يُطلق أحكاماً مطلقة على وسائل التواصل الاجتماعي. لا يُبنى الوطن على الانطباعات السريعة ولا على الجهل المتوارث، بل على عقل واعٍ يُدرك التعقيد ويبحث عن الحقيقة.

ومن يريد اتخاذ قرارات مصيرية في حياته – كالزواج أو الطلاق أو الهجرة أو العزلة أو حتى إعلان مواقف عامة – عليه أن يتأكد من سلامته النفسية. فالاضطرابات النفسية ليست عيباً، بل حالة تحتاج إلى علاج. والمجتمع لا يمكن أن يستمر إذا كان أفراده يتخذون قرارات خطرة وهم في حالات قلق شديد أو اكتئاب أو ضياع داخلي. توازن الإنسان النفسي شرط لاستقامة قراراته.

وعلى الإنسان الصالح أن يحترم المسافة مع السلطة والثروة والنفوذ. من يسعى خلف السياسيين لالتقاط صورة، أو يقيس قيمته بعدد أصحاب النفوذ الذين يعرفهم، أو يروّج لسلعة أو مؤسسة مقابل منفعة شخصية، هو إنسان يُضعف القيم العامة. الفضيلة ليست في إعلان الاستقامة بل في رفض المساومة عليها. والحرية الحقيقية ليست في الصراخ بل في رفض الخضوع للمال والجاه.

إنّ بناء الدولة يبدأ من إصلاح الإنسان: من قدرته على ضبط نفسه، واحترام الآخرين، والصدق مع ذاته، والاعتراف بخطئه، والبحث عن المعرفة، والابتعاد عن الأذى، والتواضع رغم القوة، والشجاعة رغم الضغوط. حينها فقط يصبح المواطن “صالحاً”، وتصبح الدولة ممكنة.

الدول لا تبنى بالأسوار ولا بالجيوش ولا بالموازنات، بل تبنى بالإنسان…
والإنسان الصالح هو حجر الأساس.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com