يصحّ في مآل السجال حول التفاوض بين لبنان والكيان الصهيوني، وتأييده من الناطق باسم الثنائي رئيس مجلس النواب نبيه بري، ثم تعيين السفير سيمون كرم في لجنة الميكانيزم كشخصية مدنية، بعد عروض رئيس الجمهورية جوزاف عون المتتالية، ما بثّه جميل حبيبتَه بثينةَ في شعره، في ذكره ابتداء عشقهما، إذ قال:
وأول ما قادَ المودةَ بيننا
بوادي بغيضٍ يا بثينَ سبابُ
وقلنا لها قولاً فجاءتْ بمثلِه
لكلِّ كلامٍ يا بثينَ جوابُ
بالتأكيد، لم يكن مسار الاتصال بين لبنان والكيان الصهيوني مفروشاً بالورود، بل كان على الدوام موسوماً بالدم، وحافلاً بكثير من القساوة والسجالات، ليصل اليوم إلى محطته التفاوضية، وفق شروط، للأميركي فيها اليد الطولى، في ظل ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العالمية. وبعد السباب والقتل، وصلت جماهير لبنان إلى هذه المحطة التفاوضية بطريقة مواربة، في الحين الذي كانت تفضّل فيه أن تصل بما يليق بمجتمع سياسي ناضج، فيه قدر من الشفافية والمسؤولية، والاحترام لتضحياتها المختلفة.
يخرج نائب رئيس مجلس النواب اللبناني إلياس أبو صعب ليسخر من شكل التفاوض المباشر أو غير المباشر، الطاولة المثلثة أو المستطيلة أو الدائرية… “ولا يخرط مشطه” أن يحكي الإسرائيلي للطرف الثالث، ثم يحادث الطرف الثالث الطرف اللبناني في مفاوضات تؤكّد العداء لكيان الاحتلال ولأفعاله الهمجية ضد لبنان وشعبه!
عند أبو صعب هذه المعايير لا تسير، لكنها لدى الأمم الناهضة ما تزال ثابتة!
قبل ذلك، أتانا وزير المالية الأسبق علي حسن خليل ، وهو الذي طمأننا آنفاً إلى وضع الليرة المتين، قبل أن يكون الانهيار، فطمأننا الحينَ إلى قرار المقاومة والتصدّي للعدو، ثم عاد بنا الأدراج إلى ضرورات الأنظمة، مستنداً إلى رأي “مفكر كبير” ما هو إلا العلامة الراحل محمد مهدي شمس الدين، وترك لنا خيارات الشعوب المستضعفة.
لا أظنّ أن الطرح الخليلي أتى عفو الخاطر، ومن دون سابق تمحيص، في مقابلة بدت من دون مناسبة مع الإعلامي حسن الدرّ، بعد زيارة المعاون السياسي للرئيس بري إلى طهران.
وكان جدلٌ، قد سبق زيارة خليل إلى طهران، حول رسالة بعث بها كبير حوزة النجف الأشرف، المرجع الشيعي السيد علي السيستاني إلى الولي الفقيه السيد علي الحسيني الخامنئي، دعاه فيها إلى تدارك الجماعة الشيعية في لبنان، التي تواجه خطر الإبادة، أو الإنهاك أقلّه.
وما الرسالة المزعومة إلا حلقة من حلقات الإشارة إلى جهد ما على صعيد الخيارات الكبرى للطائفة الشيعية من ضمن الكيان اللبناني وخيارات الحكم ونتائج حرب الإسناد وأولي البأس، ولا ينفعنا بعد إن كانت أرسلت أم لم تُرسل، بالرغم من أن الناطقين باسم المرجع السيستاني لم يعلّقوا على الجدل.
لم يقتصر السياق على كلام أبو صعب والخليل ورسالة المرجعية، إذ سبق ذلك كله سجال حول كلام منسوب إلى الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني سليل عائلة اللاريجاني الآملي، الدكتور علي، بما يمثله من موقع في هرم القيادة الإيرانية، الذي أسرّ إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون بإيلائه مسؤولية الشيعة في لبنان – وفق تسريب صحافي – ما يعني تخلّياً عن الاستراتيجيا الإيرانية السابقة في المنطقة، والرضا بالبعد المحلي لسلاح المقاومة… ثم كان سحب للمقال المقصود، وردود من الرفض لما جاء فيه، انتهاء بدعوة من الخارجية الإيرانية لرئاسة الجمهورية اللبنانية إلى بثّ تسجيل اللقاء، على افتراض أن الرئاسة تسجّل لقاءتها. لكن الإيرانيين لم ينفوا الخبر، ولا الرئاسة اللبنانية علّقت، لكنها قد تكون هي التي أوعزت إلى الوسيلة الإعلامية لسحب المقال، وقد حصل.
وبعيداً عن شطحات وزير الخارجية يوسف رجّي، يبدو أن المسار التفاوضي في الفضاء شرق الأوسطي نشطاً، حيث يلتزم الإيرانيون الهدوء، فلا تصريحات تعكّر صفو المشهد، ولا تهديدات بالثأر، ولا ردود على اغتيالات يومية في لبنان!
وسط قتامة المشهد لبنانياً، وعدم وضوح اتجاهاته إقليمياً، يبدو أن مسار التهدئة مع الكيان الصهيوني قد أصبح سالكاً بنسبة كبيرة، بغض النظر عن مآلاته القصوى، بالرغم من المناورات السياسية والإعلامية، وفي ظل افتقاد البلاد لمبادرة ناجعة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، بما ذلك الخيار الدبلوماسي. ويبقى المهم أن لا يأخذ الراعي الأميركي، ووصيفه الصهيوني، وزبانيته العرب، بلادنا إلى التطبيع مرغمة.
طارق قبلان
08/12/2025
