حين يتحوّل الأب إلى "اسم": قراءة في مشهد زياد الرحباني والواقع الاقتصادي اللبناني

بقلم: الدكتور أسامة توفيق مشيمش

في أحد أشهر مشاهد مسرحية « بالنسبة لبُكرا شو» لزياد الرحباني، يقف البطل يحكي لزميله في العمل عن أولاده الذين يلعبون مع أولاد القائمقام، من العمر نفسه، ومن البراءة نفسها، ومن الأحلام ذاتها. كل شيء متشابه بين الصغار حتى اللحظة التي يخرج فيها القائمقام ليعطي أولاده مصروفهم اليومي. يقف أولاد زياد إلى جانب أولاد المسؤول، يتطلّعون بالبراءة ذاتها، فتتحوّل يد القائمقام إلى يدٍ تُنفق على أولاد غيره بحكم الإحراج، لا بحكم الواجب. تكرّرت الحادثة مراراً حتى صار أولاد زياد “يحبّون القائمقام ” أكثر مما يحبّون أباهم الحقيقي، لأن الأب الحقيقي، في هذا المشهد الكاريكاتوري، بات مجرد اسم، مجرد ظلّ، مجرد رجل لا يملك القدرة على أداء دوره الطبيعي: الإنفاق.

هذه المفارقة الساخرة التي صاغها زياد الرحباني قبل أكثر من أربعة عقود، تكاد تكون اليوم نصّاً حرفياً لحياة آلاف العائلات اللبنانية. فالأب في لبنان، كما الأم، كما الأسرة بكاملها، باتوا يواجهون انهياراً اقتصادياً جعل من دورهم التربوي والاجتماعي دوراً مبتوراً، مهدوداً، ومحاصَراً بظروف لم يخطر لهم يوماً أنها قد تتحوّل إلى معيار يومي للعيش.

لقد أصبح مشهد زياد نموذجاً مصغّراً عن حياة اللبناني اليوم. فالقدرة الشرائية التي انهارت، والرواتب التي تآكلت، والعملة الوطنية التي تبخّرت، كلها عوامل صنعت فجوة واسعة بين ما يعيشه الناس وما يفترض أن تكون عليه الحياة العادية. لم يعد الأب قادراً على إعطاء “مصروف” يشبه مصروف غيره، ولا على شراء الحاجات الأساسية لأولاده، ولا حتى على التظاهر بالقوة. وبات الطفل اللبناني، شاء أم أبى، يرى ويسمع ويقارن بين بيتٍ يستطيع أن يشتري وبيتٍ بالكاد يستطيع أن يؤمّن ربطة الخبز.

فإذا كان زياد في المشهد يقارب المسألة على مستوى كوميدي، فإن الواقع الحالي تجاوز الكوميديا إلى التراجيديا الصارخة. صار كثيرون من اللبنانيين عاجزين عن دفع أقساط مدارس أولادهم، أو كلفة طبابتهم، أو مصاريفهم اليومية. وصار وقوع الأطفال تحت تأثير المقارنات الاجتماعية أمراً كارثياً يضرب بنية الأسرة ويصيب كرامة الآباء والأمهات في الصميم.

اليوم، ونحن نراقب المشهد الاقتصادي المتداعي، نشعر أن لبنان يعيش أزمة ليست مالية فحسب، بل أزمة في معنى العائلة نفسها. فالدور الأبوي لم يعد مهدداً من الخارج، بل من الداخل: من جيبٍ فارغ، من مصرفٍ جائر، من دولة غائبة، ومن منظومة اقتصادية لا تجمعها سوى أنانيات المتسلّطين. أصبح الوالد في لبنان يشعر أنه يفاوض يومياً على بقاء أسرته، وأن «الواجبات البديهية» كالمأكل والملبس والطبابة باتت معارك حقيقية.

ولعلّ الأخطر في هذه الأزمة أنها لم تعد تُقاس بالأرقام، بل بالأثر النفسي. فحين يشعر الأب بأنه لم يعد سنداً، ولا ملاذاً، ولا مصدراً للأمان الاقتصادي، يتكسّر داخله معنى الرجولة بالمعنى الإنساني لا الذكوري؛ ويتحوّل البيت إلى مساحة قلق لا إلى مساحة دفء. وحين تشعر الأم أن تضحياتها اليومية لا تكفي لسد عجزٍ يتراكم، تصبح الأسرة كلها عالقة في حلقة ضيقة من الضغط اللامتناهي.

ورغم ذلك، وما بين فقدان الليرة لقيمتها وفقدان الناس لمدخراتهم، بقيت الأسرة اللبنانية تقاتل. تقاتل بالعمل الإضافي، بالهجرة الجزئية، بالمساعدات، بالتحمّل، وبالالتفاف حول بعضها البعض. وهذا جزء من الهوية اللبنانية التي لم تهزمها الأزمات بقدر ما قوّت إرادة البقاء فيها.

لكن البقاء وحده لا يكفي ليكون حياة. المطلوب رؤية اقتصادية واضحة، منظومة شفافة تمنع التلاعب بالعملات والأسعار، وتعيد الاعتبار إلى الدولة كمؤسسة حامية للمواطن لا معطّلة له. فلبنان لا ينقصه القدرات ولا الموارد البشرية، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية تقطع مع الفساد وتعيد الثقة إلى الناس.

إن مشهد زياد الرحباني لم يعد مشهداً مسرحياً. إنه مرآة. وربما صرخة.

صرخة تقول إن على الدولة، بكل مؤسساتها، أن تستعيد دور «الأب» الذي فقدته. أن تكون مصدر حماية، لا مصدر خذلان؛ مصدر إنصاف، لا مصدر إذلال. فإذا كان الأب في المسرحية قد أصبح مجرد اسم أمام القائمقام، فإن الدولة اليوم صارت مجرد اسم أمام المواطن. وهذه أخطر مراحل الانهيار: حين يتحوّل الوطن نفسه إلى “اسم” من غير مضمون.

إن الأزمة الاقتصادية في لبنان ليست قدراً. لكنها نتيجة خيارات. ولأنها نتيجة خيارات، يمكن مواجهتها بخيارات أخرى. بالشفافية، والإصلاح، وتحرير الاقتصاد من قبضة من دمّروا الدولة ونهبوا الناس. وما لم تُسترجع كرامة المواطن عبر حماية قوته الشرائية، سيبقى الأب في لبنان واقفاً، مثل زياد في المسرحية، عاجزاً عن أن يكون أباً كما يجب، مكسور النظرة، يراقب أولاده يقارنون بينه وبين آخرين.

لكن الأوطان تُبنى حين يستعيد الآباء مكانتهم. حين يعود الأب قادراً على إعطاء مصروف، وعلى شراء كتاب، وعلى رسم بسمة، وعلى حماية منزله. يومها فقط، يمكن أن نطمئن بأن لبنان يخرج من أزمته، لا بالأغاني ولا بالمشاهد المسرحية، بل برؤية تعيد الإنسان إلى صدارة الأولويات.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com