لا مكان لنا: كيف يُنتج الازدهار الأمريكي جيلاً جديداً من المشرّدين العاملين قراءة في كتاب براين غولدستون «There Is No Place for Us»
باسم الموسوي
في هذا الكتاب الصادم، الذي يجمع بين التحقيق الصحافي العميق والحسّ الأدبي الرفيع، يدخل براين غولدستون إلى قلب أميركا التي لا تريد أن ترى نفسها. أميركا التي تعمل بلا توقف، وتنتج الثروة والوظائف والمشاريع، وتبني الأبراج والأحياء الراقية، لكنها في الوقت نفسه تُلقي بعشرات الآلاف من العمال والعاملات في قارعة التشرد. بهذا المعنى، لا يقدّم غولدستون كتاباً عن الفقراء بالمعنى التقليدي، بل عن طبقة جديدة بالكامل: طبقة “المشرّدين العاملين”—أشخاص يذهبون إلى وظائف يومية، يكدّون ويجهدون، ثم يعودون مساءً إلى سياراتهم، أو غرف فنادق رخيصة، أو أرائك ضيقة في بيوت الأقارب، لأن الإيجار بات أعلى من قدرتهم على البقاء.
منذ السطور الأولى، يعلن الكتاب مهمّته: كسر الصورة النمطية التي تساوي بين التشرد والبطالة. فغولدستون يؤكّد، عبر الأدلة الميدانية والقصص الحية، أن الأزمة السكنية الراهنة ليست وليدة الفقر، بل وليدة الازدهار نفسه. المدن التي تنمو أكثر هي التي تطرد سكانها الفقراء أسرع. والاقتصاد الذي يزداد ثراءً هو نفسه الذي يحوّل أصحاب الدخل المنخفض—الخادمات، عمّال المستودعات، الكاشير، الممرضات، السائقين—إلى مشرّدين.
هكذا تصبح الجملة التي يضعها المؤلف عنواناً للكتاب: “لا مكان لنا”، ليست مجرد تصريح، بل شهادة على انهيار العقد الاجتماعي الأمريكي من الداخل.

أولاً: الوجه الآخر للحلم الأميركي — حين يصبح العمل عبئاً لا حماية
تبدأ رحلة غولدستون في أتلانتا، المدينة التي أصبحت مختبراً لمستقبل المدن الأميركية. مدينة تكاد تختصر مفارقة أميركا الحديثة: نمو اقتصادي متسارع، شركات عملاقة تنتقل إليها، مشاريع حضرية ضخمة، وطبقة وسطى جديدة تتدفّق، مقابل انهيار القدرة السكنية لآلاف الأسر العاملة.
التناقض الصارخ يظهر في الأرقام التي يعرضها المؤلف:
لا توجد ولاية واحدة في أميركا يمكن للعامل فيها بحدّ أدنى من الأجور أن يستأجر شقة بغرفتين. في المدن الكبرى، يحتاج المستأجر الذي يتقاضى الحد الأدنى إلى العمل أكثر من 140 ساعة أسبوعياً لتأمين إيجار متوسط. في الوقت نفسه، أكثر من 11.4 مليون أسرة تصنّف بأنها ذات “عبء إيجاري شديد”، أي تنفق معظم دخلها على الإيجار وحده.
لكن المأساة لا تُقاس بالأرقام وحدها. فغولدستون يغوص في الحياة اليومية للعائلات: الخوف من الرسائل البريدية التي قد تعلن الإخلاء، الذعر من أي عطل في السيارة قد يعني فقدان العمل، السهر الطويل في محطات القطار بانتظار ملجأ شاغر، اليأس الذي يتنامى لدى الأمهات اللواتي يتنقلن من فندق إلى فندق، محاولات الأطفال للتحايل على الواقع بقدر ما يسمح لهم الخيال.
هؤلاء ليسوا أشخاصاً عاجزين أو كسالى. إنهم بشر يفعلون كل شيء “كما ينبغي”، وفقاً لأسطورة الجدارة الأمريكية: يدرسون، يعملون، يربّون أبناءهم، يلتزمون بالقوانين—ومع ذلك يسقطون. ومن خلال هذا السقوط، يفضح الكتاب الأسطورة الأكثر تجذراً في المخيلة الأمريكية: أن العمل يحميك من الفقر.

ثانياً: أتلانتا كنموذج — الازدهار الذي يطرد أبناءه
يكرّس غولدستون جزءاً كبيراً من كتابه لتحليل التحولات العنيفة التي أصابت مدينة أتلانتا خلال العقدين الأخيرين. المدينة التي كانت يوماً رمزاً للصعود الأسود، ولطبقة وسطى تتوسع، تحوّلت بفعل مشاريع التطوير الحضري إلى مدينة طاردة لسكّانها التاريخيين.
منذ التسعينيات، بدأت عمليات تجديد ضخمة: هدم المجمعات السكنية العامة، إعادة بناء الأحياء، جذب الاستثمارات العقارية، فتح الباب أمام الأبراج والمجمعات الفاخرة. كل ذلك تحت شعار “التنشيط العمراني” و”التطوير الذكي”. لكن هذه المشاريع، كما يوضح الكاتب، جاءت على حساب الطبقات الفقيرة، وبخاصة السكان السود الذين شكّلوا العمود الفقري للمدينة.
ارتفعت الإيجارات بنسبة 76% في سنوات قليلة. اختفت عشرات آلاف الشقق الميسّرة. 94% من الوحدات الجديدة كانت فاخرة. ومعها، هُجّر السكان الأصليون نحو الضواحي البعيدة، حيث السكن أسوأ، والعمل أبعد، والمواصلات شبه غائبة.
بهذا، تصبح “أتلانتا الجديدة” مدينة مزدهرة في الظاهر، فارغة من ركائزها البشرية في الجوهر. مدينة جميلة تُرى في الصور، لكنّ سكانها الذين صنعوا تاريخها لا يجدون ما يكفي من المال ليعيشوا فيها.

ثالثاً: سرديات العائلات — حين يصبح المنزل حلماً مستحيلاً
تكمن أعلى قيمة في هذا الكتاب في كونه ليس مجرد تحليل اقتصادي أو اجتماعي، بل سرداً حيّاً لعائلات من لحم ودم. يظهر غولدستون هنا في أقوى تجلياته، إذ يمزج بين دقة الصحافة وشغف الرواية. نتعرف إلى خمس عائلات، كلّ واحدة تمثل مساراً كاملاً للأزمة.
1. بريت ويلكنسون – حياة معلّقة على بريد إلكتروني واحد
تعمل بريت في مطبخ بمطار أتلانتا، تتنقل بين الحافلات والقطارات، وتقضي يومها في خدمة المسافرين. وفي الليل، تعود إلى غرفة جلوس صغيرة في منزل جدتها، حيث تنام هي وطفلاها على أريكة متداعية. حلمها الوحيد: الحصول على قسيمة السكن التي قد تغيّر حياتها. تنتظرها سنتين، ثم ثلاثاً، ثم أكثر. كل حياتها موقوفة على رسالة إلكترونية واحدة قد لا تأتي أبداً.
2. كارا – الأم التي تعمل حتى الانهيار
تنظّف كارا غرف المرضى في قسم الطب النفسي بمستشفى غريدي. تعمل ليلتين متتاليتين أحياناً، ثم تنهار فجأة في السيارة بسبب الإرهاق. تقود في الشوارع وهي تحدّث نفسها: “أنتِ قادرة. أنتِ قوية.” لكنها تعرف أنها ليست قوية بما يكفي لتحمل النظام كلّه فوق كتفيها وحدها. حملٌ جديد يزيد خوفها، وبيتٌ مهدّد بالسقوط، وحياة تتحرك بدافع النجاة فقط.
3. موريس وناتاليا – محاولة التشبث بالحياة
زوجان يعملان بجد، يربّيان طفلين، ويعيشان في شقة صغيرة داخل مجمع سكني جميل من الخارج، متهالك من الداخل. كل شهر يشكل تحدّياً جديداً. الإيجار يبتلع دخل الأسرة، وأي أزمة بسيطة قد تدفعهما خارج المنزل. ومع ذلك، يصممان على البقاء، وعلى حماية أطفالهما من عالم لا يكترث بضعفهما.
4. ميشيل – الأم التي تدرس لتصبح منقِذة، بينما تغرق هي نفسها
تعمل ميشيل وتدرس لتحصل على شهادة في الخدمة الاجتماعية، علّها يوماً تساعد الآخرين. لكنها لا تعرف كيف تساعد أطفالها الثلاثة على البقاء. إنها مثالٌ حي على أن إرادة الفرد لا تكفي حين يصبح النظام نفسه معطوباً.
5. سيلست – المرأة القوية التي انهارت أمام مرضٍ وسوقٍ لا يرحم
ألم جسدي، ألم اقتصادي، ودوامة لا تزال تبتلع آخر ما تبقى من قوتها. سيلست تجسيدٌ لامرأة تُسحق تحت ضغط المرض والديون وإيجارات تتضاعف، لتكتشف أن الشجاعة وحدها لا تُبقي الإنسان في منزله.
هذه القصص ليست فصولاً للتعاطف فحسب، بل أدلة قاطعة على أن الأزمة ليست أخلاقية، بل سياسية. العائلات تفعل ما يُطلب منها: تعمل، تدرس، تربي، تقدّم الخدمات. لكنها تواجه منظومة عقارية ومالية واجتماعية لا تمنحها فرصة للنجاة.

رابعاً: السياسة السكنية الأمريكية — حين يصبح القانون أداة للإقصاء
يشرح غولدستون كيف تشكّل السياسات العامة أحد أهم أسباب تفاقم الأزمة. فالولايات المتحدة تملك برامج دعم للفقراء في الغذاء والصحة، لكنها لا تملك برنامجاً شاملاً للسكن. الدعم العقاري محدود، والمساعدات نادرة، وغالبية من يستحقونها لن يحصلوا عليها أبداً.
من بين 14 مليون أسرة فقيرة مؤهلة للمساعدة، ينال الدعم أقل من ربع هذا العدد. البقية محكومون بالبحث عن مساكن في سوق حرّ لا يعترف بالفقراء إلا كمستأجرين مؤقتين أو زبائن لفنادق رخيصة.
ثم تأتي الإحصاءات الرسمية لتزيد الطين بلّة: فهي لا تحصي إلا من ينامون في الشارع أو الملجأ. ملايين المشرّدين المخفيين—الذين ينامون في السيارات، أو ينتقلون بين أقارب—لا يدخلون في الإحصاء. هؤلاء هم الجيش غير المرئي في معركة البقاء السكني.

خامساً: أميركا التي لا ترى نفسها — نقد أسطورة الجدارة
الضربة الأكثر قوة في الكتاب هي نقد المؤلف لأسطورة الجدارة الأمريكية.
الاعتقاد الراسخ بأن من يعمل بجد سينجح، ينهار أمام قصص العائلات الخمس.
فالعمل لم يعد طريق النجاح، بل طريقاً إلى إنهاك الجسد والروح دون ضمان البقاء.
يرى غولدستون أن ما يحدث اليوم يوازي من حيث الرمزية المراحل التاريخية الأكثر قتامة: خلال عقود تراجع الرفاه، صار البيت رفاهية لا حقّاً، وصار السكن امتيازاً لا ضماناً. يُسحق الناس تحت وطأة اقتصاد لا يرى البشر إلا كأرقام قوة عاملة، لا كأسر تحتاج منزلاً آمناً تنمو فيه.
الكتاب يطرح سؤالاً وجودياً عميقاً:
من يُسمح له بالبقاء في مدن الازدهار؟ ومن يُقصى منها؟
وأي مستقبل لبلدٍ لا يستطيع فيه العمال الحصول على أبسط حقوق الكرامة الإنسانية: سقف آمن لعائلاتهم؟

خاتمة: شهادة على زمن يتهاوى
يخرج القارئ من هذا الكتاب مدركاً أن التشرد لم يعد حالة هامشية، بل بات مساراً ممكناً لملايين الأمريكيين العاملين. وأن الاقتصاد الذي يزداد قوة لا يوزّع ثمراته، بل يكدّسها في الأعلى بينما يترك البقية في هوامش المدن—وهوامش الحياة.
There Is No Place for Us ليس مجرد كتاب عن أزمة السكن، بل عن تفكك العقد الاجتماعي الأمريكي وعن هشاشة “الحلم الأمريكي” الذي لم يعد يصلح إلّا كذكرى.
إنه كتاب عن اللامكان، وعن كل من وجد نفسه خارجه رغم أنه يفعل كل ما يُفترض أن يحميه منه.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com