لبنان والتمييع في إعلام التطبيع: سفسطة وتثبيط وأوهام مدفوعة

ينشط المطبّعون من سياسيين وإعلاميين في نقض كل ما ينشره المناصرون لخيار المقاومة، فينجحون في ترك هؤلاء مرهقين إعلامياً – وفق ما قال المناضل أنيس النقاش – بسبب سيولة إنتاجهم، والدعم الدولي الكبير، في مقابل ذهاب كثيرين من مناصري المقاومة إلى الانشغال في الردود على هوامش المطبّعين وهرائهم، وإنّ الأولى بهم أن يجهروا بروايتهم، وتسييد منطقهم.
لم ينس الذاكرون شعارات ثوريي الجمعيات المؤنجزة، من “كلن يعني كلن… إلى الـ”هيلا هو”، وسوى ذلك، خلال “نكبة تشرين”، حين أوهموا العامة من اللبنانيين أنهم ينطقون بأوجاعهم، فيما كانوا في واقع الأمر حزبيون فعليون أو متقاعدون، ولديهم جدول أعمالهم، وفيهم من هو مرتبط بسفارات ومرجعيات من خارج الحدود الوطنية. لذلك يكاد السِّجال على الدوام يذهب لصالح المطبّعين لولا أن خطابهم هراء، وأن في عداد أهل المقاومة رجال ميدان مضحّين، وفي حوزتهم أدوات مادية فاعلة، وأنصارُهم كثرة غالبة ذوو تاريخ ممتدّ في هذه الأرض.
ثمة جانب مثير في سِجال المطبّعين وأنصار المقاومة:
لا يفصح المطبّعون عن مشروع متكامل في المواجهة، بل يسكتون عن الجزء الأهمّ من خطابهم، ليَصِل بدلالةِ الافتراضِ والاستلزامِ، وربما بالمسكوت عنه. إنهم يلجأون إلى تعابير لا تقيّدهم، ولا تُلقي عليهم تبعات، ولا تتصادم مع التراث الحقوقي والفكري للبنانيين، من قبيل “القطار الذي انطلق”، و”علينا استلحاق أنفسنا”، و”قد عاد لبنان إلى حضنه العربي”… وهلمّ.
ما معنى ذلك، ومؤداه؟
يعني أن على لبنان أن يكون جزءاً من الخريطة الأمريكية لمنطقة غربي آسيا، ومساحة ارتكاز للنفوذ الأمريكي، وملحقاً بالاتفاقات الأبراهامية التي تبايع للكيان الصهيوني بالأولوية والسلطان.
والإعلاميون في لبنان كالسياسيين التابعين لهم… ومثلهم لم يمروا بالقرب من الأخلاقيات الإعلامية إلا قليلاً، وأغلبهم مردوا على النفاق والإيهام والتوهين.
في الإطار، تقوم استراتيجيا التطبيع المحلّي على النقض المستمر لمقولات فريق المقاومة، الذين إذا حبّذوا المهادنة بين المعارك عيّروهم بممالأة العدو، أو بالخوف من بأسه، أو حتى بالعمالة له، رغم كل التضحيات، ووقوف أولئك إلى جانب العدو. وإذا هدّد المقاومون عدوَ الوطن بالحرب والمواجهة حمل المطبّعون عليهم بذريعة أن الدمار الذي حصل في المعركة السابقة لم يرمّم، وأن “الكل” تعب، وأن الخسائر جسيمة في مجتمعنا، فيشملون أنفسهم في أهل الاجتماع، بعد أن يكونوا قد أوغلوا في التفرقة الآنفة، ثم لا ترعوي جماعة التطبيع عن السخرية من مطالبة مجتمع المقاومة بإعادة الإعمار، ويمنّنونهم، ويُغفلون في النقاش مسؤولية الدولة عن مواطنيها عامة، وعن مناطق المواجهة والصراع خاصّة!
تُثير الاستراتيجية الإعلامية للمطبّعين جملة من النقاط:
1. هزّ اليقين وتفكيكه
تصل عملية النقض المستمرّ إلى نتيجتها المنطقية بهزّ يقين المؤمنين بكل ما انعقدت عليه قلوبهم وتفكيرهم، ليكون ذلك مقدّمة لخضوع أهل المقاومة والمجتمع اللبناني لإملاءات الكيان الصهيوني المتسيّد في المنطقة، ومن ورائه الدول الإمبريالية. وليس أبلغ في ذلك من زعمهم أن السلاح لم يحمِ البلاد والعباد، وأنه قتل أصحابه، في إشارة إلى الشهداء رضوان الله تعالى عليهم.
التخويف والتثبيط
يمثّل هذا البند أغلب كلام المطبّعين، الذي يخوّفون به أنصار المقاومة، من قبيل قول أحدهم بحزم مثير”يبدو أن القرار اتخذ بشنّ ضربات إسرائيلية مكثفة بغطاء من الإدارة الأميركية، وذلك مباشرة بعد زيارة البابا”. وعلى ذلك فقِسْ من الأخبار المرفوعة إلى دولة عربية، أو غربية، أو شرقية، أو إلى مصادر دبلوماسية، أو إعلامية، أو سوى ذلك؛ وأين منها أخبار الجنّ!
2. نفي القضايا العادلة
لا يوجد في إعلام التطبيع أي قضية تستحق المقاومة من أجلها والدفاع عنها، ولو كانت أرض الوطن المحتلة أو السيادة المنتهكة أو الكرامة. وما يدعو له هؤلاء هو العيش فقط، وليس ذلك بمضمون، متوسّلين التبعية للمحور الغربي الإمبريالي.

3. عدم طرح أيّ مشروع
لا يؤدّي لغو المطبّعين وهراءهم إلى رسم ملامح مشروع وطني، يمكن للمواطنيين أن يأملوا فيه. فهم يفرّون من الاحتلال إلى أوهام الانسحاب الصهيوني من البلاد، ويفرّون من الالتزامات الاقتصادية إلى سراب النشاط الصهيوني والغربي، في الوقت الذي يركّزون فيه على خسائر طرفنا، ولا ينالون من أعدائنا البتة، وهمّمهم الغالب إظهار المعادلة المختلة لصالح العدو، وتأكيد حاجتنا إلى التخفف من الخسائر.
4. استدعاء العدو
تبلغ وقاحة المطبّعين الأوج باستدعاء العدو لانتهاك حرمة الوطن وسيادته واغتصاب أرضه، ولتعديل ميزان القوى لصالح محور التطبيع، في انتهاك للقانون اللبناني. وهؤلاء يجيزون لإسرائيل الاعتداء والاحتلال والقتل والسرقة… ويقولون بوقاحة إنها تدافع عن أرضها ومواطنيها!
5. الافتخار بحصة البلدان الأجنبية
لم يعد سرّاً تداول الإعلاميين، ومن قبلهم السياسيون، أخبار النفوذ الأجنبي في مجالس السلطة اللبنانية، بل أصبح الافتخار بذلك حديث يُحسب لصاحبه عند وليّ الأمر وطويل العمر، لا يردعه عن ذلك كرامة وطنية أو مصلحة، بل يحفّزه شيء من التبعية والحقد والتكسّب.

إن إعلام التطبيع لم يعد يستشعر الخجل، ولا يتوقّف عند الخطأ، ولا يستمع النصيحة، ولا يحفظ كرامة وطن، ويحاول تكريس خطاب مهيمن، لا يقوى على مواجهته خطاب المقاومة، الذي ينساق للتنويع على إيقاعه، فيما الأولى بالخطاب المضاد أن يقدم روايته بأصالة وقوة وحق، وأن يعكس صلابة الميدان ومقاومته حتى الساعة.

طارق قبلان
26/11/2026

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com