في إيطاليا لا تزال الإسلاموفوبيا الشرقية سائدة

مادالينا شيلانو- روما

تدفعنا قضية الإمام محمد شاهين (انظر التعريف في أسفل المقال)، المقيم في تورينو والمُطرود مؤخرًا بسبب دعمه العلني للقضية الفلسطينية، إلى إعادة النظر بعمق في أساليب إدارة الأمن الوطني وحدود حرية التعبير في إيطاليا. فالحادثة، التي أثارت جدلًا واسعًا، ليست مجرد واقعة فردية، بل تمثل إشارة واضحة إلى استخدام جهاز الدولة كأداة رقابية ذات طابع أيديولوجي.

يستلزم فهم هذه الديناميكية تحليل الطريقة التي تُقرأ بها ‘الاختلافات الإسلامية” من خلال نظرة استشراقية ورثها الغرب عبر قرون من التمثيلات المشوّهة. هذا المنظور يختزل المجتمعات الإسلامية في صورة كتلة واحدة متجانسة، ويُهمّش تنوعها وتعقيدها، ويحوّل أي تعبير عن التضامن مع قضايا جيوسياسية حساسة — مثل فلسطين — إلى مؤشر محتمل على التطرف، وبهذا يُسلب الاختلاف ذاته شرعيته، ويُعامل باعتباره تهديدًا بدلًا من كونه تعبيرًا سياسيًا مشروعًا.

في هذا السياق، تتجاوز الإسلاموفوبيا حدود التحيز الاجتماعي لتتحول إلى آلية لإنتاج الطاعة السياسية. فباستهداف غير المواطنين — الحلقة الأضعف قانونيًا — تستغل السلطات ثغرات تسمح بإلغاء تصاريح الإقامة بدواعي “النظام العام”، وهي وسيلة يصعب تطبيقها بالنهج ذاته على المواطنين الإيطاليين حتى لو عبّروا عن آراء مثيرة للجدل.
وعليه، يصبح الطرد رسالة سياسية بقدر ما هو إجراء أمني، فهو لا يهدف فقط إلى تحييد تهديد مزعوم، بل يسعى أيضًا إلى الترهيب بشكل عام، وإسكات الأصوات التي لا تنسجم مع الرواية السائدة ذات الطابع الغربي–الأطلسي. ومع أسرلة النقاش حول فلسطين، يتحول المجال المرتبط بها إلى منطقة محفوفة بالمخاطر، ويُقدّم طرد الإمام بوصفه “نجاحًا” يثبت أن ثمن الموقف المستقل هو الإقصاء.

لكن هذه السياسات تؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل، فهي تكرّس غياب التنوع في تمثيل المجتمعات الإسلامية، وتُضعف بروز الأصوات المعتدلة والإصلاحية، لأن المقاربة الأمنية لا ترى إلا “كتلة مهددة”. كما تغذي مشاعر الاضطهاد والتهميش لدى فئات واسعة، ما يعمّق الشعور بالاغتراب ويدفع نحو تشكّل هويات دفاعية أكثر انغلاقًا وهكذا يتحول النقد السياسي إلى معارضة جذرية، في إعادة إنتاج للرواية الأمنية نفسها التي دفع القمع إلى تكريسها.

في المحصلة، يتقاطع النضال من أجل العدالة في فلسطين مع معركة مواجهة الإسلاموفوبيا في محور واحد وهو الدفاع عن المبادئ الأساسية للديمقراطية. فالقبول بقمع النقاش العام وتوظيف الخطاب الأمني لفرض توجهات أيديولوجية يعني التفريط بحرية التعبير والقدرة على النقد، ومن هنا، يصبح الوقوف في وجه هذا المنطق ضرورة ملحّة لا بد منها.

*تعريف الإمام محمد شاهين
محمد شاهين: إمام مصري مقيم في مدينة تورينو منذ أكثر من عشرين عامًا، عُرف بدوره الديني والاجتماعي ونشاطه المتعلق بالدفاع عن القضية الفلسطينية. صدر بحقه قرار طرد من إيطاليا بدعوى “أسباب أمنية” عقب مشاركته في مظاهرة مؤيدة لفلسطين، ما أثار نقاشًا واسعًا حول حرية التعبير وحدود تدخل الدولة في الشأن الديني والسياسي.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com