
باسم الموسوي
من بين جميع القضايا التي شكّلت اختبارًا حقيقيًا لمصداقية الديمقراطية الغربية في زمن ما بعد الحرب الباردة، لم تبلغ أيٌّ منها ما بلغته القضية الفلسطينية من كشفٍ وتعريةٍ لنظام الخطاب الليبرالي نفسه.
هذا هو جوهر كتاب «المنشق المظلوم» الذي حرّرته الباحثة الفلسطينية زها حسن والمفكر المصري–البريطاني ه. أ. هيلير، والصادر عام 2024 عن دار Oneworld Academic.
الكتاب لا يُعنى فقط بتوثيق انتهاكات ضد حرية التعبير أو قمعٍ للناشطين، بل يحاول أن يفهم كيف أصبح الغرب الليبرالي نفسه مختبرًا لسلطوية جديدة تتسلل عبر مؤسسات القانون، والإعلام، والجامعات، والبنوك، باسم مكافحة الإرهاب أو الكراهية أو “حماية الأمن القومي”.
⸻
1. من فلسطين إلى العالم: فضاء مدني يضيق
تنطلق زها حسن في مقدمتها من مشهدٍ رمزيٍّ صارخ: الجامعات الأمريكية بعد حرب غزة 2023–2024، حيث تحوّلت الحرم الجامعي إلى ساحات ملاحقة أيديولوجية تشبه المكارثية القديمة.
الطلاب الذين نادوا بوقف الحرب أو بمساءلة الدعم الأمريكي لإسرائيل وجدوا أنفسهم مطرودين، أو ممنوعين من التخرّج، أو موصومين بالإرهاب.
الأساتذة الذين تجرأوا على نقد السياسات الإسرائيلية حُرموا من المنح أو عُزلوا.
بل إن بعض الشركات الكبرى والهيئات القانونية شاركت في “القوائم السوداء” التي تجمع أسماء الناشطين لملاحقتهم مهنياً.
هذه الوقائع ليست حالات فردية، بل هي – كما تقول حسن – بنية متكاملة من الردع والوصم والتجريم تمتد من الكونغرس إلى مجالس الجامعات إلى شركات التكنولوجيا، بما يجعل الفضاء المدني الأمريكي نفسه يضيق تدريجياً تحت وطأة تحالفٍ سياسي–مالي يحمي إسرائيل.
هكذا تتحول فلسطين إلى مرآةٍ للغرب: من خلالها نرى كيف تموت الحرية باسم الدفاع عن الحرية.
⸻
2. الدولة الأمنية الليبرالية
يُبيّن الكتاب أنّ الولايات المتحدة – ومعها حلفاؤها الغربيون – أعادت تكييف منظومة “مكافحة الإرهاب” التي نشأت بعد 11 سبتمبر لتصبح أداة لتكميم الخطاب السياسي.
فالقوانين التي كانت موجهة ضد منظمات العنف المسلح جرى توسيعها لتشمل منظمات مدنية وحقوقية فلسطينية، بل وحتى متبرعين أو متعاطفين معها.
في إحدى الحالات التي توثّقها زها حسن، أُغلقت حسابات مصرفية لجمعيات خيرية فلسطينية استناداً إلى “اشتباه” مصدره جهاز استخبارات إسرائيلي، من دون دليل قضائي.
وتشير فصول أخرى إلى أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بنقل نموذجها الأمني إلى الشرق الأوسط، بل صارت تستورد من إسرائيل نموذجها في الرقابة والمراقبة، حتى داخل الفضاء الأمريكي نفسه.
فمنذ تأسيس “وزارة الشؤون الاستراتيجية” الإسرائيلية عام 2015، شرعت تل أبيب في تنسيق حملات قانونية وإعلامية عبر الحدود تستهدف المعارضين في الخارج، وخصوصًا في الجامعات الأمريكية والأوروبية.
النتيجة هي ولادة ما يسميه الكتاب “القمع العابر للحدود” (Transnational Repression):
أي شبكة عالمية تستخدم القانون والتكنولوجيا والدبلوماسية والتمويل لإخماد كل صوتٍ يتحدى الرواية الإسرائيلية الرسمية.
⸻
3. إعادة تعريف الكراهية: من معاداة السامية إلى معاداة النقد
يخصص الكتاب مساحة واسعة لنقد الاستخدام السياسي لمفهوم معاداة السامية.
فبحسب ه. أ. هيلير، لم تعد المعاداة تُعرَّف ككرهٍ لليهود أو تحريضٍ ضدهم، بل صار يُقاس بها مدى توافق المرء مع السياسات الإسرائيلية.
وقد أصدرت إدارة ترامب في 2019 أمرًا تنفيذيًا سمح للجامعات الأمريكية بمعاقبة أي نشاط أو خطاب يُعتبر مخالفًا لتعريف “التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست” (IHRA)، وهو تعريفٌ يُدرج ستة أمثلة تتعلق بإسرائيل، مثل وصفها بالدولة العنصرية أو مقارنتها بنظام الفصل العنصري.
وبدل أن تصحح إدارة بايدن المسار، وسّعت الاستعمال الملتبس للمفهوم تحت عنوان “الاستراتيجية الوطنية لمكافحة معاداة السامية”، ما دفع جامعات بأكملها إلى رقابة ذاتية خوفًا من فقدان التمويل الفدرالي.
النتيجة، كما يقول الكتاب، أن النقاش الأكاديمي حول فلسطين بات محاصرًا من جهتين:
من جهة، القوانين التي تجرّم النقد؛ ومن جهة أخرى، المناخ الاجتماعي الذي يربط أي تعاطف مع الفلسطينيين بمعاداة اليهود.
بهذا المعنى، لم يعد القمع يُمارَس من السلطة السياسية فقط، بل من المجتمع نفسه وقد أُعيدت هندسة وعيه ليخاف من الكلمة.
⸻
4. إسرائيل كمُصدِّرٍ للنماذج السلطوية
لا يقتصر التحليل على الغرب، إذ يتعقّب الكتاب كيف أصبحت إسرائيل مصدِّرًا للتكنولوجيا السلطوية في المنطقة العربية.
من برامج التجسس مثل “بيغاسوس” إلى شبكات المراقبة الإلكترونية، تُستورد تقنيات السيطرة التي طُوّرت في الأراضي الفلسطينية إلى أنظمة عربية تسعى لإجهاض أي حراك مدني.
وفي المقابل، تستفيد إسرائيل من تطبيعٍ أمني يمنحها شرعية إقليمية في الوقت الذي تقمع فيه الفلسطينيين بقوة أكبر.
هنا، يشير الباحث مروان المعشر إلى مفارقة عميقة: فالعالم العربي الذي كان يرفع شعار “تحرير فلسطين” بات اليوم يستنسخ وسائل احتلالها الداخلي – من التجسس إلى تقييد الجمعيات إلى المراقبة الرقمية – بحجة الاستقرار.
وهكذا يُختزل المواطن العربي في مرآة الفلسطيني: كلاهما خاضع لاحتلالٍ داخلي يمارس باسم الأمن.
⸻
5. أزمة المجتمع المدني الفلسطيني: بين سلطة الاحتلال وسلطة الحكم الذاتي
يخصّص الكتاب فصلاً مطوّلًا لدراسة المجتمع المدني الفلسطيني الذي يجد نفسه عالقًا بين سلطة الاحتلال الإسرائيلي وسلطة القمع الداخلي للسلطة الفلسطينية.
فمنظمات حقوق الإنسان التي نشأت بعد أوسلو كبديل للدولة الوطنية أصبحت اليوم محاصَرة من الطرفين:
– إسرائيل تتّهمها بالإرهاب وتغلق مكاتبها؛
– والسلطة تُخضعها لرقابة مالية وإدارية صارمة وتستغلها لتجميل صورتها أمام المانحين.
ويشير الباحث ناثان براون إلى أنّ المجتمع المدني الفلسطيني تحوّل من مشروع مقاومة إلى أداة بيروقراطية ضمن نظام المساعدات الدولي، ففقد روحه الاحتجاجية وأصبح يعيد إنتاج البنية السلطوية نفسها التي يعارضها.
إنه، كما يقول، يعيش “في ظل دولةٍ ليست دولته”.
⸻
6. من الاستثناء الفلسطيني إلى القاعدة العالمية
يصل الكتاب إلى نتيجة جوهرية: أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية استثناء سياسي بل نموذجًا عالميًا للطريقة التي تتعامل بها الدول مع المعارضة.
فالآليات التي طُوّرت لتجريم التضامن مع الفلسطينيين – من تضييق التمويل إلى الرقابة الرقمية إلى التشهير العلني – تُجرَّب اليوم ضد حركات أخرى: البيئية، النسوية، المناهضة للحروب، أو الداعية للعدالة الاجتماعية.
ما يبدأ كاستثناء يُطبَّق على “المنشق الفلسطيني” سرعان ما يصبح قاعدة عامة تُطبَّق على الجميع.
إنه، بتعبير هيلير، “منطق العدوى السلطوية”:
كلما قبل المجتمع قمع الآخر، سهُل قمعه هو.
⸻
7. المفارقة الكبرى: قمع باسم الديمقراطية
يذكّرنا الكتاب بأنّ أخطر أنواع السلطوية ليست تلك التي تُعلن نفسها، بل تلك التي تتسلل عبر لغة الحرية.
ففي الديمقراطيات الغربية، لا يُمنع الاحتجاج بالقوة الغاشمة فقط، بل بالمعايير الأخلاقية والاجتماعية التي تُصنع لتجعل من المعارض “غير مقبولٍ أخلاقيًا”.
إنها نسخة حديثة من الرقابة الأيديولوجية، حيث تتحول القيم الليبرالية إلى سلاح ضد الليبرالية نفسها.
بهذا المعنى، لا تمثل فلسطين مجرد ضحية، بل بوصلة أخلاقية تكشف اتجاه انحدار العالم الحر نحو نموذج من “الاستبداد الناعم”:
ديمقراطيات تحافظ على واجهاتها الانتخابية، لكنها تُفرغ جوهرها التعدديّ من الداخل.
⸻
8. في الخاتمة: من أجل حقّ المنشق أن يكون مظلومًا
يختم ه. أ. هيلير بخلاصةٍ فلسفية مؤثرة:
إنّ الدفاع عن حرية الفلسطينيين ليس مجرد تضامن سياسي، بل هو دفاعٌ عن المعنى الكوني للحرية نفسها.
فحين يُمنع الإنسان من نقد احتلالٍ عسكري أو من الدفاع عن حقوق شعبٍ آخر، فإنّ الحرية تفقد عالميتها وتتحول إلى امتيازٍ محليٍّ مشروطٍ بالقوة.
“المنشق المظلوم”، في نظر الكتاب، هو رمز الإنسان الذي يدفع ثمن إخلاصه للحقيقة في عالمٍ يُكافئ التواطؤ ويعاقب الصدق.
وإذا كان الغرب اليوم يخنق هذا المنشق، فإنّ ما يخنقه في الواقع هو ضم
يمثّل كتاب Suppressing Dissent مرجعًا أساسيًا لفهم التحوّل العميق في العلاقة بين الحرية والسلطة في زمن ما بعد الحقيقة.
فمن خلال تتبّع حالة فلسطين، يكشف الكاتبان عن تشابك غير مسبوق بين الرقابة الليبرالية، والاقتصاد السياسي للدعاية، والسلطة الرقمية.
إنه عملٌ يتجاوز فلسطين كجغرافيا ليجعلها مجازًا للعصر:
عصرٍ تُحاصَر فيه الحقيقة بالتكنولوجيا، وتُستبدل فيه المقاومة بالامتثال، ويُعاد تعريف المنشق – أيًّا كان موطنه – باعتباره خطرًا لا صوت ضمير.
📚 المرجع:
Suppressing Dissent: Shrinking Civic Space, Transnational Repression and Palestine–Israel,
Edited by Zaha Hassan & H.A. Hellyer,
Oneworld Academic, London, 2024.
⸻