قوة المقاومة في نقدها لذاتها: مقاربة لبنانية معاصرة

بقلم الدكتور اسامة مشيمش

في إحدى أهم اللحظات الفكرية في التاريخ الثوري، خاطب فلاديمير لينين رفاقه قائلاً: «لا تخشوا الاعتراف بالهزيمة… تعلّموا من تجربتها، وأعيدوا عمل ما ساء تنفيذه بشكل أكثر دقّة وأكثر حذراً وأكثر منطقية.» لم تكن هذه الكلمات مجرّد مقولة عابرة، بل أساساً لفلسفة عملية تصلح لأن تكون مرآة لأي مشروع تحرري يسعى إلى البقاء والتطور. وعند إسقاط هذا المبدأ على واقع المقاومة في لبنان، تتّضح أهميته في رسم مسار المرحلة المقبلة.

إن ما يهمني في هذه المقاربة ليس مجرد الاقتباس التاريخي، بل ما يكشفه من حقيقة عميقة: أن أي حركة تحرر، مهما بلغت من القوة والرصيد الشعبي والدور الإقليمي، تبقى مشروعاً بشرياً قابلاً للتطوير، ولا يمكن أن تستمر إلا إذا امتلكت القدرة على نقد ذاتها. ومن هنا، أطرح—برؤية شخصية ومن موقع معرفي—مبدأ أعتبره أساسياً: النظرية ليست ملكاً لفرد، ولا لأمة، بل هي ملك للبشرية جمعاء. وبالمعنى نفسه، فإن المقاومة ليست ملكاً لجماعة أو تنظيم، بل مشروع وطني يصوغه المجتمع بمشاركته وتفاعله ورقابته ونقده، مثلما يصوغه بتضحياته ودعمه.

بين مقولة الاعتراف بالهزيمة وواقع المقاومة في لبنان

لقد حققت المقاومة في لبنان إنجازات لا جدال فيها: حماية الأرض، ردع العدوان، وكسر صورة العدو الذي طالما بدا لا يُهزم. لكنها اليوم تواجه تحديات جديدة تختلف تماماً عن تلك التي واجهتها خلال مراحل الصراع مع الاحتلال. فلبنان يعيش انهياراً اقتصادياً عميقاً، والضغوط الدولية تتكثف، والمشهد الإقليمي يتغير بسرعة لافتة، بينما يتنامى شعور الناس بالتعب والقلق على مستقبلهم.

في مثل هذا السياق، يصبح من الضروري قراءة التجربة المقاومة بلغة جديدة، لغة تسمح برؤية المساحات التي تحتاج إلى تطوير. فالقوة التي لا تسائل نفسها تضعف، أما القوة التي تواجه أخطاءها بشجاعة فتزداد رسوخاً. وقيمة المقولة اللينينية هنا أنها لا تدعو إلى جلد الذات، بل إلى تحويل أي إخفاق مرحلي إلى درس ومنطلق للتعديل والتحسين.

بين الشرعية التاريخية ومتطلبات العصر

لقد منحت المقاومة اللبنانيين شعوراً بالكرامة الوطنية، لكن هذا المكسب وحده لا يكفي ليحمل المجتمع في المراحل الأكثر حساسية. فالمواطن اليوم يسأل عن لقمة العيش، عن الأمان الاقتصادي، عن مستقبل أولاده، عن قدرة الدولة على الصمود، وعن موقع المقاومة في هذه التحولات.

وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف يمكن للمقاومة أن تحافظ على مشروعها العسكري والسياسي، وأن تطوّر في الوقت نفسه علاقتها بالمجتمع وبالدولة؟

فالتطوير المطلوب ليس مساساً بجوهر المشروع، بل ضرورة لحمايته. قد يشمل ذلك:

تحديث الخطاب الاجتماعي ليخاطب هموم الناس اليومية.

بناء علاقة مؤسساتية أوضح مع الدولة لتخفيف التداخل وربط القوة المقاومة أكثر بمشروع الدولة لا بموازاته.

تعزيز الشفافية في الملفات الداخلية التي تُحمّل المقاومة أعباءً لا تخصها، لكنها تنعكس على صورتها.

وفتح المجال لنقد داخلي وخارجي مسؤول، لا يستهدف المقاومة بل يساهم في صقلها.

النقد… شرط الاستمرار

في التجارب العالمية، كان النقد الذاتي أحد أهم أسباب تطور الحركات التحررية. فهو ليس إعلان ضعف، بل اعتراف بنقطة تحتاج إلى تعديل. والواقع اللبناني اليوم لا يحتمل الجمود أو الانغلاق. فالمقاومة التي نجحت في معركة التحرير، وفي بناء معادلة الردع، تستطيع أن تنتصر أيضاً في معركة التطوير، شرط أن تستمع جيداً إلى الأصوات التي تكشف عن الثغرات.

والخطر الحقيقي ليس في النقد، بل في غيابه. لأن غياب النقد يخلق مساحات عمياء، ويُنتج تراكمات قد تتحول إلى أزمات. أما انفتاح المقاومة على المراجعة والتقويم، فيمثل الطريق الأضمن لحماية إنجازاتها وترسيخ شرعيتها.

نحو مرحلة جديدة أكثر نضجاً

إنّ قوة المقاومة لا تكمن فقط في سلاحها، بل في قدرتها على قراءة الواقع وتطوير أدواتها بما يناسبه. والمرحلة المقبلة تتطلب منّا جميعاً—من مؤيدين للمقاومة أو ناقدين لها—أن ننتقل من منطق الدفاع والاتهام إلى منطق البناء والمراجعة. لأن المقاومة ليست حدثاً من الماضي، بل مشروعاً مستمراً يحتاج إلى رؤية واضحة لمستقبله.

وبذلك، يصبح النقد قوة، والمساءلة حماية، والمراجعة ضرورة. وتصبح المقاومة أكثر حضوراً وفعالية حين تمارس هذا النقد بوعي ومسؤولية، لا خوفاً من خسارة، بل رغبة في صون مكاسبها وتعزيز دورها في حماية لبنان وإعادة بنائه.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com