
*د. علي رباح باحث وكاتب سياسي*
قبل الدخول في معرض الرد على الصديق ناجي امهز، وبخصوص مقاله الاخير حول اسباب فشل ح. الله في السياسة والاعلام، ولست ادري إن كان للاخ رأياً مماثلاً في باقي النواحي، حتى تكتمل الصورة وتتطابق مع ما روجه الاعلام العربي يوماً على أن المقا..و.مة مجموعة مغامرين، لا تسعفهم عقولهم، بل ينقادون بفعل كم هائل من الانفعالات غير المنضبطة. ولست معنياً أن اشرح وابين الكثير من الانجازات التي ارتكزت على علم ومعلومات في معرض ردي، فالمقام لا يتسع أبداً ولا احب ان اتكلم بشيء فيسجل علي بأنني بحت ببعض الاسرار، وهي على اي حال ليست بالخطيرة.
اذن قبل الدخول في معرض الرد لا بد من شرح مجموعة نقاط اساسية:
1. غاب على الاستاذ ناجي الفات نظر المتابعين والقارئين بأنه يعبر عن رأيه الشخصي، وهو حر ويتحمل مسؤوليته واسمح لنفسي ان اقول واعتقد انه يوافق، أنه لا صفة حزبية له مع الحزب وليس من عداد المنظمين، بل من المحبين غير المقربين، فالقضايا الخطيرة المؤثرة على تماسك البيئة في اوقات الشدائد، لا يمكن التعاطي معها على اننا نكتب مسلمات، او نقطع بتحاليل على انها حقائق، ويجب تبيان ذلك.
2. ان الاختلاف في الرأي لا يفسد الود مع الاخ الصديق، ولكن اضطررت للرد حتى لا تصبح اراء العزيز وقائع كأنها الحقيقة، فأغلب ما يطرحه بحاجة الى مراجعة لوجود وقائع تخالفه.
3. إن بعد الاخ وعائلته عن البيئة المقا..و.مة جغرافياً وحتى عقدياُ، وترعرعه في بيئة مختلفة قد فوت عليه فهم الاتجاه الفكري لها بعمق، وتلمس تفاصيلها ويومياتها بما فيها من ازمات ومشاكل وانجازات واوقات سعيدة وحزينة، وهذا اثر على مقاربته لقضاياها.
4. لم يوفق الاستاذ ناجي لأن يكون في عداد الاعلام المقاوم، ولست أدري لمَ؟ ولكن أعلم ان الشه..يد محمد عفيف لم يوافق على انضمامه، واعتقد لأن يبقيه حراً مثلاً .. ولكنه طلب منه الاسناد الاعلامي بقلمه .. ولكن كنت احبذ أن يكون ضمن صفوف هذا الاعلام ليطلع عن كثب على تفاصيله، ويختبر اسباب الصعوبات والمعوقات والازمات التي مر ويمر بها، ورغم ذلك بقي وانجز.
5. في مقاربة الظواهر السياسية والاجتماعية، ليس ثمة صفر او واحد، بل نظرة عن كثب تنصف المشهد، وعليه لا يمكن ان نقول فشل وهناك انجازات لم نراها او غابت عنا.
الرد على المقال:
1. ان العلاقة التي جمعت الحزب بسوريا مرت في اوائلها بمشاكل غير قليلة، سببها سعي النظام المتمثل بشخص غازي كنعان في احتواء الحزب ضمن سيطرته ووفق قواعد لعبته، وهذا ما لم يكن متاحاً، وهذا ما صرح به اكثر من شخصية في النظام، حتى انهم دسوا الدسائس بعد كل اتفاق، وانقلبوا على جلها، الى ان فتح الحزب القنوات مع الرئيس حافظ الاسد عبر ابنه باسل، الذي كان شخصية مرموقة في فهمه واطلاعه، والذي كان المساهم الابرز في تنضيج العلاقة لتصبح علاقة تحالف استراتيجي قائمة على الاحترام، فالحزب الذي رفض الاذعان للاميركي والاسرائيلي، ليس صعباً عليه ان يؤسس لعلاقة صحية مع النظام السوري.
2. يعلم الجميع ان السياسات الاعلامية التي يضعها الحزب لا تخضع لاستنساب احد، بل تتخذ وفق اليات اثبتت جدواها بدليل الهجمة الشرسة عليه من قبل الدول العربية والاسلامية التابعة للاميركي، والدول الاوروبية التي رغم رفعها شعارات الحرية والديمقراطية، ولن ننسى كيف ازالوا المنار عن كل الاقمار الصناعية، وحديثهم الدائم عن غسيل عقول الناس وتحويلهم الى مقاومين للاستعمار وتعاطفهم مع القضايا التحررية، ولأن كان يراعي المصالح العليا، والتي كانت تجمعه مع النظام واطراف جبهة المقا..و.مة، فهذا ليس منقصة بحق هذا الاعلام.
3. يفترض الصديق ان هناك هوة سحيقة بين الشيعة وباقي الطوائف اللبنانيين سببها اعلامنا، فهل لديه ارقاما، مع ان ارقامنا تخالف رأيه، فالدولية للمعلومات موجودة ويمكن مراجعة النتائج التي توصلت اليها في اخر استطلاع حول العداء المشترك لاسرائيل وحصرية السلاح وغيره، وان اي هوة موجودة هي بسبب الاعلام المعادي الذي ينفخ سماً ليلاً نهاراً، ومن بينه جريدة النهار التي كان ينتمي اليها سمير قصير.
4. ان اي اعلام يقدم للعالم رؤيته الكونية وافكاره ليس على سبيل رفض الاخر، انما من باب الدعوة اليه، وهذا حق مكرس في مواثيق حقوق الانسان، وكنت اتابع المنار والنور، فرأيت اكثر من ذلك، رأيت الاهتمام بالجميع، والتقارب مع الجميع، نعم لم تستطع هاتان الوسيلتان الانفتاح بالمعنى الحداثوي المزيف، كعرض مسلسلات مكسيكية وافلام اميركية ونساء غير محتشمات .. هذا نؤيده، ولكن ان نقول انها لم تكن موجهة لغير الشيعة فهذا مجاف للانصاف، وان كنت لا ادعي انهما لم تخطئا، ولكن من كان بلا خطأ فليرجمني بحجر.
5. ان المغالطة التي وقع فيها الصديق في تعميمه ان من تصدر اعلام جبهة المقا..و.مة هم من اتباع النظام والبعثيين والقوميين واليساريين، مغالطة منطقية، وان كنت ارى ان هذا الاتهام ليس مشكلة في حد ذاته، فقد تحمل اي فكر سياسي او عقدي ولكن تكون على قدر مهم من المسؤولية والموهبة والعلمية، وان ح. الله سعى لادخال اكبر قدر ممكن من الاتجاهات لمواجهة العدو الاميركي والصهيوني في منظومة الجبهة، ولم ار ان الامر كان على حساب لبنانيته، علماً اننا من اتباع هذا الاسلام الذي لا يتأطر بحدود جغرافية فكيف ان كانت من صنيعة الاستعمار، ويريدنا الاخ ناجي ان نتعبدها. والخطاب الذي رأيناه من اعلامنا خطاباً انسانياً مسؤولاً اخلاقياً يراعي المبادئ العليا الالهية وليس رغبات بعض اللبنانيين.
6. ان اشادتك بسمير قصير لا اشكال فيها وهذا رأيك الخاص، رغم ان علاقته مع المقا..و.مة كانت معقدة وعدائية بسبب اتهامه الدائم لها على انها ميليشيا، وشتان بين المقا..و.مة والميليشيا، وان ما صرحت به، ان سمير قصير تنبأ بما سيجري، فلم اجده رغم البحث، وقد تكون مصيباً، ولكن هل يعقل ان يتوقع احد ما سيجري ولم يكن متداول ابداً، فهل كانت وثيقة سرية ازيح عنها الستار الان، كما ان الكثير من النخب والاخوة كانوا يتوقعون معركة قاسية، لعلمنا جميعاً بالعدو الذي نواجهه، وكان من ضمن الاحتمالات، وانا شخصياً توقعت الحرب على الحدود الشرقية، وسقوط الكثير من الشهداء قبل اندلاع الازمة السورية، ومن كان حاضراً على الكلام ما زال حياً. هذا العدو الهائل جداً الذي نفتخر اننا واجهناه وكان لنا شرف المحاولة.
7. كانت المقا..و.مة منذ التسعينات مشرعنة ومقوننة، فما كان رأي الاميركي، وهل يمكن لنا ان نستلطف الاميركي حتى يعطينا شهادة حسن السلوك، اليس اجدى بنا ان نتفهم ان الاميركي هو لسان حال الاسرائيلي، وان رضاه عنك يعني تجريدك من هويتك وانتمائك وارضك ووجودك، وهل من معتبر من العدو الكبر للانسانية الذي تسجل له اكبر الكتب في الهيمنة والقتل والاجرام.
8. تعتبر الطائفة الشيعية اليوم محرك الاقتصاد اللبناني رغم كل التضحيات، وهذا ليس كلامي، ويمكنك مراجعة الارقام، وهي صانعة السياسة اللبنانية اليوم حتى مع وصول اتباع السفارة الاميركية الى مواقع اساسية، والدليل كل هذا الضغط السياسي والاقتصادي والحربي.
اخيراً وليس اخراً، ومن منطلق الحريص على كل هذا التاريخ القريب والحاضر، المكلل بالانجازات مع التضحيات الجسام، وهذا امر ليس بغريب على من اختار مقارعة الامبراطورية الممتدة من واشنطن الى سدني، والتي تهتز اليوم بفعل تغيرات جيواستراتيجية، لست اقول انها ستقع قريباً، ولكن عوامل التآكل الذاتي بدأت بالانتشار، وهذا بفعل صمود الشرفاء على اتساع العالم، ومن يكن قوياً يُراهن عليه، ولا تعني القوة عدم الخسارة ابداً، فكل حركات التحرر بين صعود ونزول باتجاه الهدف، والبقاء للفكرة ويتغير الاشخاص.
انصح الاخ ناجي امهز، وحفظاً لوصية الشه..يد محمد عفيف ان يرحم هذه المسيرة، وان يكون حريصاً حرص الابوين عليها، وان يستقي المعلومات الدقيقة والافكار من مناهلها الاولى، وان يبتعد عن الاستنساب، وانا احترم قلمه السيال، ولكن مع معلومات كاملة وفهم للعقيدة الشيعية بشكل عميق حتى يستطيع الحكم على خياراتها وادبياتها وادائها.
والسلام