*سلاح الغزو والإبادة ينتقل من كتف العسكرة إلى كتف الاقتصاد

محمد اسماعيل.

خاص مركز بيروت للأخبار.

هناك نوع جديد من الحروب لا يحتاج إلى دبابات، ولا يرفع غباراً في السماء، ولا يعطي خصمه شرف مواجهة واضحة. إنه النوع الجبان من المعارك: حرب الاقتصاد… الحرب التي تدخل البيوت بلا إذن، وتفجّر حياة الناس من الداخل، وتحوّل الشعوب إلى ملفات حسابية على شاشات ضباط المال.

الغزو لم يعد يأتي من الحدود، والإبادة لم تعد تحتاج إلى بارود. اليوم، القاتل يجلس خلف مكتب مكيف، يحرك سعر صرف عملة، فينهار وطن. يوقّع على عقوبة مالية، فتسقط آلاف العائلات في الفقر. يحرّك فائدة مصرفية، فتُسحق طبقة كاملة من الوجود.
إنها الإبادة بنسخة نظيفة… بلا دماء ظاهرة، لكن بضحايا أكثر.

والأخطر من كل ذلك، أنّ بعض من يُفترض أنهم “حماة البلد” صاروا جزءاً من اللعبة. يرفعون الشعارات في العلن، ويقدّمون التنازلات في الكواليس، ويتحدثون عن “السيادة” وهم يوقّعون ورقة تُخضِع البلد كله لضابط مالية في سفارة ما.
سيادة؟ أي سيادة؟
السيادة التي تُباع على طاولة الصرف ليست سيادة، بل مسودّة تسليم بلا شروط.

الحرب الاقتصادية لا تُهاجم الجيش، بل تهاجم الأهل، الفقراء، الطلاب، المرضى، أصحاب الدخل المحدود… تقتلهم ببطء، وتضعهم على حافة اليأس والانفجار. إنها أخطر من المدفع، لأنها تضرب مباشرة في روح المجتمع، وتعيد صياغة حياة الناس وفق إرادة الخارج.

نعم، سلاح الغزو والإبادة انتقل من كتف العسكرة إلى كتف الاقتصاد…
لكن المسؤولية باتت اليوم على الشعوب الواعية التي لا تنطلي عليها الكلمات المعلّبة ولا وعود “الإصلاح” التي تُقرأ من ورق أعدّه الخارج.
ومن لا يفهم أنّ الاقتصاد أصبح جبهة قتال، سيستيقظ يوماً ليجد نفسه يعيش في وطنٍ بلا قرار، وبلا كرامة، وبلا مستقبل. هذه الحرب لا صوت لها… لكن صداها يمزّقنا كل يوم.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com