مع أوّل قطرات المطر، وتحديدًا في مناطق المتن وكسروان، يبدأ ما يُعرف في لبنان بـ موسم البزّاق أو جمع القواقع. هذه العادة التراثية ما زالت حاضرة بقوّة في المجتمع اللبناني، حيث ينتظر الكثيرون أول شتوة للخروج إلى الحقول والبساتين بحثًا عن القواقع الصغيرة التي تشكّل عند البعض “أكلة الشتوية الأولى”.

أول المطر… وإشارة الانطلاق

يعرف اللبنانيون أنّ بداية الموسم تبدأ فور تبلّل الأرض. في هذه اللحظات، تخرج القواقع من مخابئها، فيسارع محبّو هذه الأكلة إلى جمعها من بين الأعشاب والصخور.
وتُعتبر مناطق المتن وكسروان من أبرز المناطق التي يكثر فيها جمع البزّاق بسبب طبيعتها الجبلية ورطوبتها المناسبة.

نوعان أساسيان من البزّاق في لبنان

يُكثر المجتمع اللبناني من الحديث عن نوعين شهيرين خلال موسم القواقع:

البزّاق الأبيض: صغير الحجم وخفيف النكهة، ويعتبره البعض الأفضل للطهي السريع.

البزّاق البني: أكبر حجمًا، ذو نكهة أقوى، ويحتاج وقتًا أطول في التحضير.

هذه التفرقة تساعد الباحثين والهواة على اختيار النوع الذي يناسب وصفاتهم.

مرحلة “الصيام”… الخطوة الأهم في تنظيف القواقع

قبل طهي القواقع، يخضع البزّاق لمرحلة ضرورية تُعرف بـ الصيام أو التنظيف.
حيث يُوضع البزّاق في قَفَص أو علبة مثقّبة لمدة تتراوح بين 2 و4 أيام دون طعام، ليُفرغ جهازه الهضمي من الأوساخ والنباتات.
بعدها تبدأ عملية التنظيف التي تشمل:

الغسل المتكرّر بالماء

فرك القواقع بالملح والليمون

غليها لإزالة الشوائب

وبعد هذه المرحلة يصبح البزّاق جاهزًا للوصفات الشتوية المتنوّعة.

موسم البزّاق في لبنان… عادة قديمة تعود مع أوّل شتوة

تجارة البزّاق… من الهواية إلى السوق

ومع تراجع قدرة الكثيرين على الخروج لجمع البزّاق بأنفسهم بسبب ضغط العمل أو ظروف الحياة، بدأ عدد كبير من الناس يعتمد على شرائه جاهزًا بدلًا من جمعه.
وقد نشطت في السنوات الأخيرة تجارة البزّاق بشكل واضح في المتن وكسروان، خصوصًا من قبل عدد من اللاجئين السوريين الذين يستفيدون من وجودهم في الحقول الزراعية لجمع القواقع وبيعها.
كما برز بعض المواطنين الذين تحوّلت هوايتهم في جمع البزّاق إلى تجارة موسمية مربحة، خاصة بعدما باتوا يعرفون أماكن تكاثره وظهوره بعد الأمطار.

موسم البزّاق في لبنان… عادة قديمة تعود مع أوّل شتوة

وتختلف أسعار البزّاق تبعًا للموسم وسوق العرض والطلب. إذ يُباع إمّا بالحبّة أو بالكيلو، ويتراوح سعر الكيلو عادةً بين 400 و600 ألف ليرة للبزّاق ذي الحجم المتوسّط، سواء كان أبيض اللون أو أسمر.

وصفات شتوية يحبّها البعض ويخاف منها آخرون

اللافت أن موسم البزّاق في لبنان يثير دائمًا الجدل بين محبّيه ومن يعتبره أكلة “غريبة”.
لكن عشّاقه يؤكدون أن وصفاته لا تُقاوَم في ليالي الشتاء الباردة، خصوصًا حين يُطهى:

بزّاق بالثوم والليمون

بزّاق بالزعتر والزيت

بزّاق على الطريقة الجبليّة

بزّاق بالمرق والبهارات

أو بزّاق “محمّر” بعد السلق

موسم البزّاق في لبنان… عادة قديمة تعود مع أوّل شتوة

لكل منطقة وعائلة “سرّها” الخاص في النكهات.

موسم يجمع العائلة… وتراث لا يزال حيًا

لا يُعتبر جمع البزّاق مجرد عادة غذائية، بل نشاطًا اجتماعيًا تنتظره العائلات منذ زمن.
فالخروج بعد أول المطر، والتحرك بين الصخور لجمع القواقع، وتحضيرها في المنزل، كلها طقوس تُعيد الأجواء الشتوية القديمة وتخلق ذكريات مشتركة بين الأجيال.

رغم الجدل… البزّاق جزء من الهوية اللبنانية

ورغم اختلاف الآراء بين من يعشقه ومن ينفر من شكله، يبقى موسم البزّاق في لبنان علامة الشتاء الأولى ورمزًا من رموز التراث الجبلي والمطبخ اللبناني.
وما دام الشتاء يعود كل عام، سيبقى البزّاق حاضرًا على موائد اللبنانيين ومحور حديث الكثيرين عند أول شتوة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com