
باسم الموسوي
العنصرية ليست مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل بنية فكرية عميقة الجذور تسكن قلب الوعي الغربي منذ ميلاده الأول. لقد وُلد الفكر الأوروبي وهو يحمل في طيّاته نزعةً إلى التمركز حول الذات، تحوّلت عبر القرون إلى مشروعٍ حضاريّ متكامل يُقدّم ذاته باعتبارها التجسيد الأعلى للعقل والحرية والتقدّم. ومن رحم هذه النزعة، خرجت العنصرية الغربية بصيغها المتعددة: من البيولوجية إلى الثقافية، من لاهوت التفوق إلى عقلانية السيطرة، من خطاب الخلاص المسيحي إلى خطاب الحداثة والعولمة.
إن النظر إلى التاريخ الثقافي الغربي يكشف أن فكرة «التفوّق» لم تكن يومًا مجرّد ادعاء فلسفي أو وهمٍ أخلاقي، بل كانت الأساس الذي بُني عليه النظام العالمي الحديث. منذ الفلسفة الإغريقية التي قسمت البشرية إلى «يونان متحضرين» و«برابرة»، إلى اللاهوت المسيحي الذي جعل أوروبا «شعب الله الجديد»، ظل الآخر موضوعًا للتشييء والإقصاء، وجوده مشروطٌ بحاجات الأنا الغربية. ثم جاءت الحداثة لتقدّم نفسها بوصفها قطيعة مع الماضي، لكنها في جوهرها لم تكن سوى تعميقٍ جديد لمركزية الإنسان الأوروبي، وقد اكتست هذه المرة بلغة العلم والعقل والتقدّم.
تغيّرت أدوات العنصرية ولم تتغيّر روحها. فبعد أن كانت بيولوجية تقوم على الدم والجينات، صارت اليوم ثقافية تُصنّف الشعوب بحسب قابليتها للتمدّن والتحديث. لم تعد أوروبا تقول إنها الأعقل جسديًا، بل إنها الأقدر حضاريًا والأجدر بقيادة التاريخ. في هذه الصيغة الجديدة، يتحول الاستعمار إلى رسالة حضارية، والعولمة إلى قدرٍ كوني، و«الآخر» إلى تلميذٍ أبديّ في مدرسة الغرب. فكل ما هو غير أوروبي، سواء في الفكر أو الدين أو اللغة، يُقرأ من خلال مرآةٍ غربية تصنع معناه وتحدّد قيمته.
في عمق هذا الوعي يكمن ما يمكن تسميته «خرافة الاستمرارية»؛ أي الزعم بأن الحضارة الأوروبية الحديثة امتدادٌ مباشر للفكر اليوناني القديم، مع طمسٍ كامل لمساهمات الحضارات الشرقية والعربية والإسلامية في بناء هذا التراث. بهذا الزعم جرى احتكار الفلسفة والعقل والعلم لصالح الغرب، وتُركت بقية الشعوب خارج التاريخ. فاليونان تحوّلت إلى أسطورة «المعجزة العقلية»، بينما صُوّر الشرق بوصفه فضاءً أسطوريًا، غارقًا في الهمجية والخرافة.
هذا التمركز حول الذات لم يكن معرفيًا فحسب، بل سياسيّ ولاهوتي أيضًا. إذ لم تنفصل الحداثة الأوروبية عن مسيحيتها الأصلية، بل علمنت مفاهيمها وحوّلتها إلى أدوات للسيطرة. فـ«الخلاص» صار يُعبّر عنه بـ«التقدّم»، و«الشعب المختار» أصبح «العرق المتفوق»، و«المملكة السماوية» تحوّلت إلى «المدينة الحديثة». وفي كل هذه التحولات بقيت الفكرة واحدة: هناك مركزٌ يقود، وهناك أطراف تتلقى. وما كان لله صار للتاريخ، وما كان للوحي أصبح للعلم والسوق والقوة.
من هنا يصبح مفهوم «التقدم» نفسه إشكاليًا؛ فهو ليس حركة إنسانية نحو الأفضل، بل مسارٌ مغلق يحدده الغرب ويقيس عليه العالم بأسره. إنّه إيمان دوغمائي بالزمن الخطيّ الصاعد نحو الحداثة الأوروبية، حيث الماضي مرحلة بدائية، والحاضر انتقال، والمستقبل هو اكتمال المشروع الغربي. بهذا المعنى لم تخرج الحداثة عن اللاهوت، بل استبدلت إلهها بإنسانٍ جديد يملك أدوات الخلاص الأرضي ويحتكر الحقيقة والمعنى.
إنّ العنصرية الثقافية اليوم لا تحتاج إلى نظريات التفوق العرقي القديمة لتعمل؛ فهي تتخفّى في خطاب التنمية وحقوق الإنسان والعقلانية الكونية. تُدار المعارك الحديثة بأسماء جديدة: «الإصلاح»، «التمدين»، «الديمقراطية»، و«الحداثة»، لكنها في جوهرها استمرارٌ لتاريخ الهيمنة نفسه. فالغرب لا يكتفي بتملك الموارد، بل يسعى إلى تملك المعنى ذاته، إلى تعريف ما هو إنساني وما هو متخلّف، من يملك الشرعية في التفكير، ومن يُحكم عليه بالبقاء على الهامش.
ولا يكتمل هذا التحليل إلا بتأمل الجذر الفلسفي الذي رسّخ هذه الرؤية. فالفلاسفة الذين صاغوا العقل الغربي لم يكونوا بمنأى عن منطق التراتب: كانط صنّف الأعراق بحسب قدرتها على التفكير المجرد، وهيغل رأى أن الروح تسير من الشرق إلى الغرب لتكتمل في أوروبا، أما هايدغر ودريدا فظلا أسرى بنية الوعي ذاته وإن لبس نقدهما لباس التفكيك. إنهم جميعًا أبناء الفكرة نفسها: أن التاريخ غربيّ الجوهر، وأن الإنسان لا يتحقق إلا في صورته الأوروبية.
في مواجهة هذا الإرث الطويل، لا يكفي الإدانة الأخلاقية ولا الدفاع العاطفي، بل يلزم وعيٌ نقدي يعيد تعريف الإنسان خارج مقاييس المركزية. المطلوب ليس تدمير الغرب بل تحرير المعرفة من احتكاره، واستعادة فكرة الكونية بوصفها تعددية لا تراتب فيها. فالعالم لا يُقاس بمرآة واحدة، والإنسانية لا تُختصر في تجربة أمة أو لون أو لغة. إنّ مقاومة العنصرية الثقافية هي مقاومة فكرية قبل أن تكون سياسية، لأنها دفاع عن إمكان الاختلاف وحقّ الشعوب في أن تروي تاريخها بلسانها.
هذه الرؤية العميقة يقدمها كتاب «جذور العنصرية الغربية» للمفكرة نزهة بوعزة، الذي يسائل الأسس الفلسفية والتاريخية للهيمنة الغربية، ويدعو إلى إعادة تأسيس إنسانيةٍ أكثر عدلًا وشمولًا.