
صحيحٌ أنّ العدو الإسرائيلي انتهك اتفاق وقف الأعمال العدائية آلاف المرّات حتى الآن، وصحيحٌ انّ اعتداءاته أدّت إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى، لكن ما فعله في بلدة بليدا الحدودية أضاف إلى سجله شكلاً جديداً من الاستهدافات، انطوى على مؤشرات شديدة الخطورة، ما استدعى رداً مختلفاً هذه المرّة من السلطة السياسية، التي بدت مضطرة إلى إعادة ترتيب أوراقها.
بدمٍ باردٍ، توغّلت قوة إسرائيلية قي داخل بلدة بليدا الحدودية، واقتحمت مقر مجلسها البلدي، حيث أعدمت الموظف ابراهيم سلامة خلال نومه، ثم عادت إلى الأراضي المحتلة.
وقد نبش هذا الاعتداء الصادم، في شكله وطبيعته، ذاكرة الجنوبيين، الذين استعادوا في الأمس مشاهد مشابهة من حقبة الستينيات والسبعينيات، حين كانت قوات الاحتلال تتوغل في البلدات الجنوبية وترتكب الاعتداءات في حق سكانها ثم تنسحب، وهكذا دواليك، من دون لا وازع دولي ولا رادع رسمي، في ظل معادلة شهيرة كانت سارية آنذاك وقوامها انّ «قوة لبنان في ضعفه».
ـ نفّذ جيش الاحتلال عملية القتل في داخل مؤسسة رسمية، هي البلدية التابعة لوزارة الداخلية، الأمر الذي يعني انّ الرصاصات التي أطلقها الجنود الإسرائيليون لم تصب فقط المواطن المستهدف وإنما أيضاً جسم الدولة وسيادتها وكرامتها ومعنوياتها.
ـ ما حصل يؤشر إلى أنّ المنطقة الحدودية باتت مستباحة، بحيث انّ أي مواطن يشتبه فيه الجيش الإسرائيلي يمكن أن يصبح مدرجاً على لائحة الإعدامات المزاجية، علماً انّ منطقة جنوب الليطاني يُفترض ان تكون، وفق معايير الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي، «نموذجاً سيادياً» يجب أن يُحتذي به لاحقاً شمالي الليطاني.
ـ إنّ الاعتداء الجديد تمّ غداة مسعى لخفض منسوب التوتر، من خلال جولة الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس على المسؤولين اللبنانيين بعد زيارتها لتل ابيب، واجتماع لجنة «الميكانيزم»، التي باتت تحاصرها تساؤلات جدّية حول جدوى مهمتها وحقيقة دورها في ظل أدائها غير المتوازن.
ـ من شأن جريمة بليدا أن تدفع «حزب الله» وبيئته الشعبية إلى التمسك بالسلاح أكثر من أي وقت مضى، في اعتباره مصدر الحماية الوحيد. إذ ما الذي يضمن، من وجهة نظرهما، الّا يصبح سيناريو قتل الموظف الأعزل ابراهيم سلامة خلال نومه، هو المعتمد في كل مكان، بعد التخلّي عن السلاح وانكشاف لبنان بكامله أمام العدو الإسرائيلي
