
بقلم الدكتور أسامة توفيق مشيمش
ليس في لبنان اليوم حربٌ ولا سلام. هناك هدنةٌ متقطّعة بين العجز والفوضى، بين صمتٍ رسميٍّ خانع وصوت مدافعٍ يدوّي على الحدود. رئيس الجمهورية يتحدّث عن «إعطاء الأوامر للجيش للتصدّي»، لكنّ الأوامر تبقى حبراً على ورق. الدولة التي فقدت قدرتها على إدارة نفسها لا تملك ترف أن تخوض مواجهة مع العدو الأصيل.
في الجنوب تُقصف القرى، وفي العاصمة تُعقد الاجتماعات. مسؤولة أميركية تحضر وتغادر، ورئيس جهاز المخابرات المصرية يزور، والرسائل المتبادلة بين العواصم لا تتوقّف. كلّها إشارات على أنّ القرار ليس في بيروت. ما يُرسم هناك، في غرف النفط والغاز والدولار، هو الذي يُنفَّذ هنا. أمّا الخطابات التي تُذاع على الشاشات فليست سوى واجهةٍ لفراغٍ سياسيٍّ عميق.
في ظلّ هذا المشهد، يسود الهدوء المريب. لا الجيش صار فجأةً قوةً رديفة قادرة على مواجهة الطيران المعادي، ولا الدولة التي تعجز عن القبض على فاسدٍ واحدٍ من لصوص المال العام مؤهَّلة لأن تُطلق رصاصة في وجه تل أبيب.
كيف لدولةٍ لا تستطيع ضبط «النافعة» أو منع نهب الأملاك البحرية والنهرية أن تُعلن الحرب؟ وكيف لحكومةٍ لا تجرؤ على محاسبة المصارف أن تجرؤ على مواجهة العدو؟
العدو الأصيل يتقدّم بخطواتٍ ثابتة. لا يحتاج إلى دبابةٍ أو صاروخٍ كي يخترق البلاد، فزبانيته في كل مؤسسةٍ ووزارة. يحكم بالمال، وبالتهويل، وبالانقسام الذي صار سلاحه الأكثر فتكاً. واللبناني، المنهك من أزماته اليومية، صار بين خيارين: صمتٌ جبان باسم الواقعية، أو مواجهةٌ يتّهم أصحابها بالجنون.
الدولة اليوم في حالة شللٍ تام. لا رقابة، لا محاسبة، لا قضاء مستقلاً. تتبدّل الأسماء والوجوه في الحكم، لكنّ المنظومة هي نفسها. كلّ ما تغيّر أنّها صارت أكثر وقاحة في خضوعها لإرادة الخارج. يظنّ بعضهم أنّ التكيّف مع شروط الأميركي والخليجي هو خلاص، بينما هو استسلامٌ ناعم، لا يختلف عن أي اتفاق تطبيعٍ مكتمل الأركان.
ما نعيشه اليوم ليس سوى صراعٍ مفتوحٍ بين من يهيّئ الأرض للتطبيع، وبين من يصرّ على أن المقاومة خيارٌ وجودي لا رفاهية سياسية. بين فريقٍ يرى العدوّ بوصفه فرصة استثمار، وآخر لا يزال يراه احتلالاً يجب مقاومته. وفي هذا الانقسام، تترنّح الدولة، ويتعمّق الانكشاف.
القول إنّ «التقية السياسية» ضرورية للحفاظ على الاستقرار هو تبريرٌ للعجز لا أكثر. فالاستقرار الذي يقوم على الخوف من المواجهة هو استقرار المقابر. والسكوت عن العدوان لا يصنع سلاماً، بل يُرسّخ الخضوع. لقد صارت البلاد رهينة حساباتٍ إقليميةٍ ودولية، فيما تُمنع عنها حتى رشقة رصاصٍ رمزية، كي لا «تُغضب» الراعي الأميركي.
لكنّ لبنان، رغم كل هذا الخراب، لا يخلو من ضوءٍ صغيرٍ في العتمة. الفدائي اللبناني، بأشكاله الجديدة، لا يزال موجوداً. قد لا يحمل السلاح اليوم، لكنّه يحمل الوعي والذاكرة والإصرار على رفض الهزيمة. تتبدّل الرايات وتختلف الشعارات، لكنّ روح المقاومة لا تموت، لأنها جزءٌ من هوية هذا الشعب الذي لم يتعلّم إلا أن ينهض من تحت الركام.
ربما تكون حرب غزّة قد كشفت نهاية مرحلةٍ كاملة من الصراع، وربما تكون بداية لمرحلةٍ أكثر قسوة. لكنّ المؤكد أنّ ما بعد هذه الحرب لن يشبه ما قبلها. من ظنّ أن الانهيار الاقتصادي سيكسر روح اللبنانيين، أخطأ التقدير. فالتاريخ يقول إنّ هذا البلد لا يُهزم بالسلاح، بل يُهزم حين يفقد إرادته.
الصراخ الداخلي حول الانتخابات المقبلة ليس سوى صدى لما يُقرَّر في الخارج. عندما تتّفق أنظمة النفط والغاز والدمدولار، يرضخ الجميع. أمّا الداخل، فيُترك يتقاتل على الفتات. كلّ مئة عامٍ يعيد التاريخ نفسه، وكأنّ لبنان محكومٌ بأن يعيش دوماً على الحافة: لا دولة، لا عدالة، لا قرار.
ومع ذلك، لا مفرّ من الإيمان بأنّ هذا البلد الذي قاوم الاحتلال والوصاية والخراب، قادرٌ أن ينهض من جديد. فالأشرار لا يبقون إلى الأبد، ومهما اشتدّت العتمة، سيبقى هناك فدائيٌّ متجدّد، يرسم للأمل طريقاً وسط الركام.
