
باسم الموسوي
في كل مرة يسقط فيها الفلسطيني برصاصة، أو يُهدم بيته، أو يُمحى اسمه من سجلات الوجود، لا يُقتل إنسان واحد فحسب، بل تُغتال فكرةٌ أقدم من السياسة وأعمق من الجغرافيا: فكرة أن الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله.
منذ أن كُتبت هذه العبارة في سفر التكوين، وهي تتردّد في ضمير الإنسانية كأصل لكل كرامة وعدل ومساواة. لكن العالم الذي يتباهى اليوم بمواثيقه الحقوقية، ويتغنّى بكرامة الإنسان، هو نفسه الذي يعجز عن رؤية صورة الله في وجه الفلسطيني.
في زمنٍ صار فيه كل شيء قابلًا للمقايضة، باتت الكرامة تُقاس بموازين القوة، والإنسانية تُوزن بميزان المصالح. ومع ذلك، يظل السؤال قائمًا، بسيطًا في لغته، مزلزلًا في جوهره:
أليس الفلسطيني أيضًا مخلوقًا على صورة الله ومثاله؟
اللاهوت المفقود في الضمير الحديث
في التاريخ الديني للغرب، كانت فكرة “صورة الله” هي الحجر الأساس الذي بنى عليه اللاهوتيون والفلاسفة معنى الإنسان. من بولس الرسول إلى أوغسطينوس وتوما الأكويني، ومن الإصلاح البروتستانتي إلى فلاسفة الأنوار، ظلّ هذا المفهوم يشير إلى جوهرٍ روحيّ في الإنسان يمنحه حريةً ومسؤوليةً لا تُختزل في الجسد أو العِرق أو الهوية.
لكن هذا اللاهوت الذي جعل الإنسان مركز الخليقة، وكرامته انعكاسًا لوجه الله، أُفرغ من محتواه عندما حُوّل إلى مبدأ انتقائي: يمنح الإنسانية للبعض، وينفيها عن الآخرين.
لقد بنى الغرب حداثته السياسية على صورة الإنسان ككائنٍ حرٍّ عاقلٍ يتمتّع بضمير مستقل، إلا أنه في الوقت نفسه أقام حدودًا لهذه الصورة. فالإنسان الغربي الحديث لا يرى نفسه إلا من خلال مرآة التفوق، وكأن صورة الله لا تُشبه إلا من يحمل ملامحه.
إنه اللاهوت المفقود في قلب الحداثة: أن الكرامة لا تُقسم، وأن الله لا يخلق شعوبًا على صور مختلفة الدرجات.
شارل مالك: حين تصبح الكرامة بيانًا إيمانيًا
عام 1947، جلس الفيلسوف اللبناني شارل مالك إلى جانب الفرنسي رينيه كاسان في لجنة صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. لم يكن الرجلان متشابهين في الدين أو التجربة أو الرؤية السياسية، لكنهما التقيا عند فكرة واحدة: أن كرامة الإنسان مقدسة لأنها إلهية المصدر.
رأى مالك أن لكل إنسان حقوقًا غير قابلة للمساس، لا تمنحها الدول بل يهبها الخالق نفسه، لأن الإنسان خُلق على صورة الله. كانت تلك لحظة نادرة امتزج فيها اللاهوت بالفلسفة والسياسة: إيمان يتحوّل إلى قانون، وكتاب مقدس يُترجم إلى ميثاق عالمي.
لكن بعد سبعة عقود، يبدو أن هذا الإعلان ذاته قد فقد معناه. فحين يتحدث العالم عن “الحقوق العالمية”، يُسكت صوته عند الفلسطيني. تُنتهك الكرامة يوميًا أمام الكاميرات، وتُختزل صور الضحايا إلى “أضرار جانبية”.
اللغة التي وُلدت لتؤكد وحدة البشر صارت تُستخدم لتبرير الاستثناء الإنساني. وكأن الفلسطيني ليس «مخلوقًا على صورة الله»، بل على صورة التاريخ الخطأ.
صورة الله في وجه المنفي
منذ النكبة، يعيش الفلسطيني حالة لاهوتية معكوسة.
فهو الإنسان الذي يُنفى من أرضه، كما نُفي آدم من الجنة، لكنه لا يُمنح حتى وعد الخلاص.
هو الذي يُدان لأنه يريد أن يكون إنسانًا، ويُعاقب لأنه يطالب بكرامته.
في كل حاجزٍ وجدارٍ ومستوطنة، تتجسّد فكرة واحدة: أن هذا الكائن لا يُستحق أن يُرى كما هو.
إنه يُجرّد من إنسانيته ليُعاد تشكيله في صورة “العدو” و”المشبوه” و”الخطر الديموغرافي”.
وهكذا يتحوّل الفلسطيني، في الخطاب العالمي، من حاملٍ لصورة الله إلى صورةٍ للتهديد.
لكن المفارقة الكبرى أن هذا الإنسان المنفي هو الذي يذكّر العالم، رغم كل شيء، بمعنى الصورة الإلهية نفسها.
ففي صموده ورفضه للمحو، يكشف الفلسطيني أن صورة الله ليست امتيازًا يُمنح، بل قدر لا يمكن سلبه.
الإنسان كحدٍّ سياسي
حين يُقتل طفلٌ في غزة ويُبرَّر موته بـ«حق الدفاع عن النفس»، لا تُرتكب جريمة حرب فقط، بل خيانة فلسفية لمبدأ الإنسانية نفسه.
فالقانون الدولي ومواثيق الحقوق لا تملك قيمة أخلاقية إلا إذا انطلقت من الاعتراف الميتافيزيقي بالإنسان كصورةٍ للخالق.
حين يسقط هذا الاعتراف، يتحوّل القانون إلى تبرير، والعدالة إلى إجراءٍ إداري.
الفلسطيني اليوم هو الحدّ السياسي لما تبقّى من معنى «الإنسان».
إنه المرآة التي تعكس نفاق العالم الحديث: عالمٍ يحتفل بيوم حقوق الإنسان، لكنه يخرس حين تكون الضحية خارج النموذج الغربي.
ومثلما قال الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين: «كل وثيقة حضارة هي في الوقت ذاته وثيقة بربرية».
إن الحداثة التي أنشأت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هي ذاتها التي تبرّر الإبادة إذا كانت الضحية تقع خارج حدود “الإنسان المقبول”.
الوجه الذي لا يُحتمل
في فلسفة إيمانويل ليفيناس، الوجه الإنساني هو موضع ظهور الله.
النظر إلى وجه الآخر هو دعوة إلى المسؤولية، إلى الاعتراف بأنني مسؤول عن حياته قبل نفسي.
لكن كيف يمكن للعالم أن ينظر في وجه الفلسطيني دون أن يُدان؟
الوجه الفلسطيني هو وجه الإله المصلوب من جديد: مَنظور إليه من بعيد، يُبكى عليه ببرود، ثم يُبرَّر صلبه بعباراتٍ قانونية.
لقد صار وجه الفلسطيني اختبارًا للضمير الكوني؛ من يقدر أن يراه ويبقى محايدًا، فقد تخلّى عن إنسانيته.
الإلحاد الأخلاقي
يرى بعض الفلاسفة أن الإلحاد الحديث لم يكن نتيجة للعلم، بل لتمردٍ أخلاقي على فكرة الإله كسلطة مطلقة.
لكن في العالم الذي نعيش فيه، يبدو أن الإلحاد الحقيقي هو نفي صورة الله في الإنسان.
الإلحاد ليس أن تقول «الله غير موجود»، بل أن تتصرف وكأن البشر الذين لا يشبهونك ليسوا من خلق الله.
حين يُقصى الفلسطيني من دوائر الإنسانية، يصبح الإلحاد ممارسةً سياسيةً يومية، لا عقيدة فلسفية.
العالم الذي يبرّر موت الأبرياء باسم “الضرورة الأمنية” هو عالمٌ انقطع عن جذوره اللاهوتية، حتى وإن بقيت الكنائس والمعابد والمساجد عامرة.
فالإيمان ليس أن تُصلي لله، بل أن تعترف بوجهه في الآخر.
الفلسطيني كصورة مرآوية
قد يكون الفلسطيني، paradoxically، هو آخر حاملٍ حقيقي لفكرة الإنسان كصورةٍ لله.
ليس لأنه يمتلك الحقيقة المطلقة، بل لأنه يعيشها في جسده.
كل لاجئٍ يحمل مفتاح بيته المهدوم، كل أمّ تنتظر ابنها في السجن، كل طفل يكتب اسمه على أنقاض مدرسته—هؤلاء لا يعلنون فقط حقّهم في الوجود، بل حق الله في أن يظل حاضرًا في العالم.
فالكرامة، حين تُداس، لا تموت، بل تتحوّل إلى مقاومة.
والمقاومة، في أعمق معناها، ليست عملًا سياسيًا فقط، بل إصرارٌ على استعادة صورة الله التي حُجبت.
نقد إنسانية بلا إله
العالم الغربي الذي فصل بين اللاهوت والسياسة أراد أن يبني إنسانيةً علمانية لا تحتاج إلى الله.
لكن التجربة الفلسطينية تكشف هشاشة هذا البناء.
فالإنسانية التي لا تستند إلى مبدأٍ يتجاوز الإنسان، تصبح انتقائية وهشّة، تتبدد عند أول اختبار.
حين تغيب القداسة عن فكرة الإنسان، تصبح الكرامة مجرد امتيازٍ يمنحه الأقوى.
إن الحداثة التي رفعت شعار «حقوق الإنسان» لم تُجب بعد على السؤال الجوهري:
من يمنح الإنسان قيمته؟
هل هي الدولة؟ القانون؟ الأغلبية؟ أم تلك النفخة الإلهية التي لا يُمكن لأي سلطة أن تلغيها؟
ما يحدث في فلسطين ليس حربًا على أرضٍ فحسب، بل حرب على الميتافيزيقا التي تجعل الوجود الإنساني ذا معنى.
إنها حرب على “صورة الله” في الإنسان.
الختام: استعادة الصورة
ليس المقصود من السؤال «أليس الفلسطيني على صورة الله ومثاله؟» أن يُجاب عليه نظريًا، بل أن يُجاب عليه عمليًا.
الجواب لا يكون في النصوص، بل في المواقف.
كل مرة يُقتل فيها الفلسطيني ويصمت العالم، تتشقق الصورة الإلهية في مرآة البشرية.
وكل مرة يُرفع فيها صوتٌ دفاعًا عن الإنسان، مهما كان، تُرمَّم قطعة من تلك الصورة المنكسرة.
إن استعادة صورة الله لا تمر عبر المعابد ولا عبر الخطابات، بل عبر الاعتراف بالفعل بأن الفلسطيني إنسان كامل—لا استثناء في الخلق ولا في الكرامة.
حين يُفهم ذلك، لن يكون السؤال «هل الفلسطيني على صورة الله؟»
بل: كيف استطاع العالم أن ينسى أنّه على صورته هو أيضًا؟