**في البحث عن فلسطين المنسية: أماكن خفية ونصب تذكارية مفقودة** *قراءة في كتاب "Forgotten: Searching for Palestine’s Hidden Places and Lost Memorials" لرَجا شحادة وبيني جونسون*

باسم الموسوي

في زمن تُحوَّل فيه الذاكرة إلى ساحة معركة، ويُعاد رسم الجغرافيا بفعل الاحتلال والطمس المنهجي، يأتي كتاب **”Forgotten: Searching for Palestine’s Hidden Places and Lost Memorials”** (منسيّون: في البحث عن الأماكن المخفية والنصب التذكارية المفقودة في فلسطين)، الصادر عام 2025، ليُقدّم عملاً أدبياً-توثيقياً-تأملياً نادراً يجمع بين المشي، الذاكرة، والمقاومة الثقافية. المؤلفان، الكاتب والمحامي الفلسطيني رَجا شحادة والباحثة البريطانية-الفلسطينية بيني جونسون، يأخذان القارئ في رحلة عبر فلسطين التاريخية – من الجليل إلى الغور، ومن رام الله إلى بئر السبع – بحثاً عن ما تبقّى من آثار الماضي، ومحاولة لاستعادة ما طُمِس من ذاكرة جماعية.

### بين المشي والذاكرة: رحلة ضد النسيان

الكتاب لا يبدأ كبحث أكاديمي تقليدي، بل كـ”مشي تأملي” نابع من شعور بالاختناق. ففي خريف 2021، بعد سنوات من الحجر الصحي الناتج عن الجائحة، وجد المؤلفان نفسيهما محصورَين في رام الله، المدينة التي تحوّلت إلى “غيتو” تحت وطأة الحواجز الإسرائيلية وتقسيمات اتفاق أوسلو. المشي، الذي كان دائماً وسيلة شحادة للهروب من واقع الاحتلال، أصبح صعباً، بل خطراً. لكن رحلة قصيرة على طريق ترابي قرب جدار الفصل أعادت إحياء الفضول: حجر رمادي صغير يحمل نصبًا تذكاريًا لثلاثة جنود مصريين سقطوا في معركة اللطرون عام 1967، دون أن يعرف أحد كيف وصلوا إلى هناك. هذا الحجر البسيط كان الشرارة التي أطلقت رحلة استكشافية طويلة عبر الزمن والمكان.

ما يميّز هذا الكتاب هو أنه لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يمزج بين السرد الشخصي، التأمل التاريخي، والتوثيق الميداني، مدعوماً بصور فوتوغرافية قوية التقطها المصور الفلسطيني بسام المهور، رفيق الرحلة. الكتاب ليس مجرد دليل أثري، بل محاولة لفهم كيف تُستخدم الذاكرة – أو تُمحى – كأداة سياسية، وكيف يقاوم الفلسطينيون هذا الطمس عبر الحفاظ على ما تبقّى من معالمهم.

### فلسطين عبر الطبقات: من العصر البرونزي إلى النكبة

يُقسّم المؤلفان رحلتهما إلى خمسة أجزاء، كل منها يغوص في زمن وسياق مختلف:

#### **الجزء الأول: ماضٍ متشابك وحاضر مضطرب**
يبدأ المؤلفان من نابلس، المدينة التي تحمل طبقات من التاريخ تمتد إلى خمسة آلاف عام. هناك، يقفان أمام نصب تذكاري حديث لـ”الشهداء” من الانتفاضتين، مصنوع من صور بالأبيض والأسود تشبه “المذابح” البيزنطية، لكنها تحمل بنادق وآيات قرآنية. مقابلها، مقبرة جنود عراقيين سقطوا في حرب 1948، ومقبرة أخرى لأردنيين من حرب 1967، كلها في حالة إهمال نسبي. ثم ينتقلان إلى جِب، حيث يزوران موقع جبعون القديم، ليكتشفا أن الاسم الذي كان يوماً يدل على مركز تجاري مهم، أصبح اليوم مرادفاً ل checkpoint إسرائيلي.

#### **الجزء الثاني: زمن العثمانيين وانقطاع الصلات**
هنا، يبحث المؤلفان عن ما يربط فلسطين بالعالم العربي والإسلامي الأوسع. يزوران خان التجار في الجليل، الذي كان يوماً محطة استراحة للقوافل بين دمشق والقاهرة، لكنه اليوم مدفون تحت الأشواك، بلا لافتة تدل عليه سوى لوحة عبرية باهتة. كما يرويان قصة الطيّارين العثمانيين اللذين تحطمت طائرتهما قرب بحيرة طبريا عام 1914 أثناء محاولة تسليم أول بريد جوّي عثماني. النصب التذكاري لهما بُنِي بفضل جهود إسرائيلي، بينما قرية سمرة الفلسطينية التي دُمّرت عام 1948، والتي وُجدت على أنقاضها، لا أثر لها.

#### **الجزء الثالث: آثار النكبة وسياسة الطمس**
هذا الجزء هو الأكثر إيلاماً. المؤلفان يبحثان عن أي نصب تذكاري رسمي للنكبة داخل إسرائيل، فيجدان واحداً فقط في كفر كنا، لكنه لا يحمل كلمة “نكبة” صراحة. ثم يزوران منشية يافا، التي دُمّرت مرتين: أولًا في حرب 1948، ثم في 1963 عندما حوّل مهندس إسرائيلي أنقاضها إلى حديقة تشارلز كلو. يزوران متحف إتسل في تل أبيب، الذي يحتفي بـ”تحرير يافا”، في حين يُقدّم معركة دير ياسين كـ”معركة” لا كمذبحة. وفي كفر برعم، يحضران قداساً أسبوعياً في كنيسة مارونية تم ترميمها وسط أنقاض القرية، حيث يُنقَش على فناء الكنيسة: **”العودة هي الطريق”**.

#### **الجزء الرابع: التأمل في الفناء والموت**
مع تقدّم المؤلفين في السن، يصبح الموت حاضراً أكثر. يزوران قبور الشعراء: راشد حسين في مصمص، ومحمود درويش في رام الله، وكمال بولّاطة في القدس. كل قبر يحمل قصة نفي، حنين، وصراع مع الهوية. ثم يتجهان إلى البحر الميت، الذي يختفي بفعل الاستنزاف والاحتباس الحراري، ليصبح رمزاً لجمال مهدّد بالزوال، تماماً كالذاكرة الفلسطينية.

#### **الجزء الخامس: أنقاض رام الله ومستقبل الماضي**
حتى في قلب رام الله، المدينة الحديثة، يكتشف المؤلفان أنقاضاً قديمة: مقابر بيزنطية مدفونة تحت العمارات، وخرب تيره التي دُمّر 75% منها. كما يزوران قصوراً حجرية (قُصوراً زراعية) في تلال رام الله، كانت يوماً مراكز لحياة ريفية غنية، لكنها اليوم مهددة بالهدم بسبب التوسع العمراني. هذه القصور، التي تشبه “الصوان” في اسكتلندا، تصبح رمزاً للذاكرة التي تُجبر على البقاء رغم كل شيء.

### رسالة الكتاب: المقاومة عبر الذاكرة

الكتاب لا يكتفي بتوثيق الخسارة، بل يطرح سؤالاً وجودياً: **كيف نحتفظ بذاكرتنا في وجه محاولات الطمس؟** المؤلفان لا يقدّمان حلولاً سياسية، بل يقدّمان المشي، التأمل، والفن كأفعال مقاومة. فكل زيارة إلى نصب مهجور، كل صورة تُلتقط لأنقاض قرية، كل قصيدة تُتلى على قبر شاعر، هي محاولة لإبقاء الماضي حيّاً.

في ختام الكتاب، يعود المؤلفان إلى الحجر الرمادي الذي بدأ كل شيء، ليكتشفا أن جنوداً مصريين آخرين دُفنوا سراً تحت “ميني إسرائيل”، حديقة ترفيهية إسرائيلية. هذا التناقض الصارخ – بين الترفيه والطمس، بين التذكار والدفن – يختزل جوهر الصراع: **من يملك الحق في الذاكرة؟**

### خاتمة: فلسطين ليست ماضياً، بل حاضرٌ يُقاوم

“Forgotten” ليس كتاباً عن الأماكن المنسية فحسب، بل عن **الناس الذين يرفضون أن يُنسَوا**. إنه دعوة إلى النظر بعناية، إلى المشي ببطء، إلى الاستماع إلى الهمسات التي تصدر عن الحجارة. في زمن تُدمّر فيه غزة وتُمحى معالمها الثقافية أمام أعين العالم، يصبح هذا الكتاب أكثر من عمل أدبي؛ إنه وثيقة إنسانية تذكّرنا بأن **الذاكرة هي آخر خط دفاع ضد الانقراض**.

> “الموتى المفقودون، عالمنا الحي” — هذا العنوان الختامي ليس تناقضاً، بل حقيقة: طالما أن هناك من يبحث، يكتب، ويذكّر، فإن فلسطين لن تُنسى.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com