
“يجب علينا جميعاً أن نعمل على تضميد جراح فلسطين، وإعادة غزة إلى سابق عهدها، وسنتابع باهتمام كل مرحلة من مراحل الاتفاق”. هذا تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد إقرار خطة ترامب، واجتماع شرم الشيخ بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وممثلي بعض الدول العربية والإسلامية، ومن بينهم الرئيس أردوغان نفسه. وقد أوحى ذلك بأن التركي وسواه أهل نجدة لغزة، “يطبطبون” على أكتاف أهاليها تخفيفاً ومواساة، بعد سنتين من القتل والمجازر وأهوال الدمار.
لكن أيّ عهد سابق لغزّة ستُدركه البلاد، وهي التي لم تكن بخير بتاتاً منذ سنوات عديدة؟ وكيف سيعيدها التركي إلى سابق عهدها، وهي لم تخرج من رِبقة الاحتلال إلا وخنقها الصهيوني والعربي التابع بحصارٍ خانق؟
بلى، ثمة نقطة إيجابية يبعثها الخطاب الأردوغاني لدى الجمهور العربي أن قائد “الجيش المحمدي” سيخفف – على الأرجح – من خطابات التهديد للكيان الصهيوني نصرةً للأقصى وغزة، خصوصاً بعدما عاون ترامب على إقرار “خطة السلام، وإن يكن السلطان العثماني – وفق ما يتّهمه كثيرون -، والخليفة – وفق ما يحب أن يصنّفه جمهور “الإسلام السياسي السني”-، لم يفعل مما قال شيئاً. وقد ثبت في كثير من الأحيان لدى الخبراء أن التجارة بين تركيا والكيان الصهيوني عظيمة ومستمرة، بل إن أنقرة تعمل وسيطاً في نقل النفط الأذربيجاني من باكو إلى حيفا؛ وحاجيات الكيان الصهيوني تصل إلى الأراضي المحتلة عبر البحر المتوسّط بعد حصار البحر الأحمر، ومن الجو عبر الطائرات التركية، مما جعل وزير خارجية تركيا الأسبق، والمنظّر الاستراتيجي لحزب العدالة والتنمية، أحمد داود أوغلو، يصف السياسة التركية الأردوغانية بالنفاق.
العرب بين تركيا وإيران
الأنظمة العربية، من جهتها، لم يُعوّل عليها لا في ما سبق، ولا في ما هو راهن الآن، فيما الأمل كان في الامتداد الإسلامي للعالم العربي، كتركيا وإيران… لكن إيران تعثّرت، ولم تراكم تركيا لصالح غزة ما أفسدته من نفوذ إيراني في بلاد الشام؛ وسرعان ما خاب المراهنون على سلطة الشام الجديدة، وتبدّد استبشار أبي الوليد خالد مشعل بـ “فتح الشام” على طريق “تحرير فلسطين”، فوجدت القيادات الفلسطينية والمقاومة نفسها عرضة للسجن والملاحقة.
العلاقات السنية – الشيعية والتاريخ
لا بدّ من التساؤل عن السر الكامن في تغاضي أردوغان والأنظمة العربية عن محنة أهل غزة، بالرغم من التمازج المذهبي، ثم رفضهم إمداد الغزاويين بما يلزمهم من عتاد بعد الإحاطة بالمدد الإيراني!
في محاولة الإجابة عن السؤال المتقدّم، قد ينبغي لنا أن نعود إلى التاريخ، وإلى الحقبة الصليبية تحديداً، لنستفيد من المقارنة بين الاشتباك المذهبي حينها والاشتباك الحاصل راهناً. لذلك يمكننا ملاحظة أمر في غاية الأهمية في كتاب الدكتور محمد المختار الشنقيطي “أثر الحروب الصليبية في العلاقات السنية – الشيعية”، وقد تمثّل بتحول كبير في بلاد الشام والمشرق بعد انتصار المسلمين على الصليبيين، حيث انحسر التشيع في تلك المناطق لصالح تغلّب سنّي واضح، بالرغم من التعاون المؤثر الذي جرى بين القيادات السنية والشيعية في عدد من المراحل، والذي كان فيه الشيعة هم المبادرون إلى قتال الصليبيين كما في موضوع حلب وقاضيها الإمامي أبي الفضل بن الخشاب وتحالفه مع أمير ماردين، أق سنقر، وكذلك في طرابلس الشام بقيادة فخر الملك بن عمار…. لكن الشنقيطي يغفل أن النفوذ السني مع نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي جاء نتيجة سياسة محددة وفاعلة، تمثّلت بالإجراءات الصارمة في مختلف مناحي الحياة، ويذهب إلى ترجيح كفة ديمغرافيا الشعوب التركية وحروبها ضد الفرنجة.
نخلص من الإشارة السابقة إلى نتيجةٍ مفادها أن الأنظمة الحاكمة باسم السنةّ في العالم اليوم لا تجد نفسها معنية بمأساة غزة ومحنتها وحربها باعتبارها ثغراً مدعوماً من إيران، الدولة الإسلامية الإمامية الأبرز في العالم، والتي يُخشى أن يكون نصرها نصراً لمنهج وطائفة، سواء على المستوى السياسي أو الكلامي وصولاً إلى الفقهي، مثلما حدث من طفرة في التشيع السياسي مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران في ثمانينيات القرن الماضي. فلا مانع إذن من انهيار الصمود الكربلائي الملحميّ الأسطوري في غزة لقاء انتصار سرديات الأنظمة الحاكمة في البلدان السنية، بدليل التجارة الناشطة مع الكيان من الأردن الشقيق الصغير، أو الحصار المصري، أو تركيا الكبيرة إقليمياً، فيما يتشفّى جمهور بعض الأنظمة بمأساة الفلسطينيين، ويرقص على أحزانهم، ولا يبالي بشيء مما أصابهم، فيتحدث بخطابين ولسانين، واحد يدّعي النصرة وتقديم المساعدات والدعم السياسي، وآخر يعلنه أو يفضحه إعلامهم وخطباؤهم ومؤثروهم، بل يؤكّده الصهاينة والأميركيون بأن العرب والمسلمين يدعمون ما يحصل في غزة، بل يطالبون بالاستمرار في ذلك، للأسباب المشار إليها.
يريد العالم السني، بحكامه وبشعوبه الملتزمة الطاعةَ، أن تُخفق التجربة التحررية في غزة كي لا يكون العالم الشيعي، والإمامي تحديداً، هو صاحب الراية المنتصرة… وقد يسعون إلى تكرار تجربة السابقين اتّباعاً لهدي ابن تيمية الحراني في مدحه نور الدين زنكي بالقول: «عَزَّ أهل الإسلام وَالسنة في زمنه، وذلَّ الكفار وأهل البدع، ممن كان بالشام ومصر، وغيرهما من الرافضة والجهمية ونحوهم” (مجموع الفتاوى).
كذلك اليوم، يكتئب كثيرون من وجوه السنة، ويأتي التصريح بالاكتئاب على لسان تابعيهم من الإعلاميين كرهاً بصمود مقاومة غزة ومجاهديها، بعد أن قال الشهيد-الأمة السيد حسن عبد الكريم نصر الله إن غزة يجب أن تنتصر، وإن “النصر سيكون بالنقاط”، والتضحيات ستكون جساماً.
العالم الإسلامي ومنطق القرآن
إن خوض جنوب أفريقيا مواجهة قضائية في مقابل الكيان الصهوني، وموقف كولومبيا ورئيسها في الأمم المتحدة، وتأييد فنزويلا المطلق للحقوق الفلسطينية ونضال شعب غزة، فضلاً عن السياسة البرازيلية والأميركية الجنوبية المتفانية في نصرة غزة، على ما في مواجهتهم للمستكبرين من عناء وعنت، لأبلغ دليل على مخالفة العرب والمسلمين للمنطق البسيط ولمكارم الأخلاق والشهامة، فضلاً عن الدين والقرآن، بعد أن استنصر الغزاويون العالم بعربه وعجمه ومسلميه وأحراره، فلم ينتصر له إلا من انتصر!
لا ينبغي أن نكون أشداء على بني قومنا، إلا أن الحق يُقال إنهم بلغوا من الذل القاع، وليس بمستغرب على من قال محمد عابد الجابري في نقد عقلهم السياسي إنهم محكومون بثلاثية القبيلة والعقيدة والغنيمة، وغالباً ما تقدّمت الغنيمة وتأخّرت العقيدة؛ ولن تكون غزة استثناءً، ولن يكون القرن استثناء، ونحن نشهد بنية اجتماعية وسياسية ما قبل دولتية. لكن دعاءنا أن يقيّض الله لهذه المنطقة والأمة من يغسل عن وجهها عار الأنظمة والخذلان.
طارق قبلان
صحافي وباحث من لبنان
19-10-2025