الصهيونيّة كاستعمار استيطانيّ: تفكيك بنية المشروع وإعادة الاعتبار للرؤية الفلسطينية

باسم الموسوي

مقدّمة: نحو إعادة تعريف الصهيونيّة خارج الخطاب القوميّ

منذ بدايات القرن العشرين، ساد في الأدبيّات السياسية والتاريخية وصف الحركة الصهيونيّة باعتبارها مشروعًا قوميًّا لليهود، يهدف إلى إقامة وطن لهم في فلسطين. غير أنّ هذا التوصيف، الذي هيمنت عليه القراءة الأوروبية الاستشراقية، أغفل البنية الكولونياليّة العميقة للمشروع الصهيونيّ. لقد قدّمت دراسات مدى الكرمل، كما في كتاب «الصهيونيّة والاستعمار الاستيطانيّ: مقاربات فلسطينيّة» (تحرير نديم روحانا وعرين هوّاري، 2023)، منظورًا فلسطينيًا تحليليًا ينقل النقاش من الإطار القوميّ الضيّق إلى الإطار البنيويّ الكولونياليّ، ويعيد تعريف الصهيونيّة كحالة استعمار استيطانيّ إحلاليّ، لا يهدف إلى السيطرة على الفلسطينيّين فحسب، بل إلى إلغاء وجودهم واستبدالهم.

يستند هذا التحليل إلى مقاربة متعدّدة التخصّصات تجمع بين علم الاجتماع السياسيّ، والتاريخ الكولونياليّ، ونظرية الخطاب، وتستحضر التجارب المقارنة من الجزائر، وأستراليا، وجنوب إفريقيا، لتبيان الطابع البنيويّ المشترك للأنظمة الاستعمارية الاستيطانية في العصر الحديث.

أولًا: من الاستعمار إلى الاستيطان – في تفكيك المفهوم

يبدأ الكتاب بإعادة صياغة المفهوم ذاته: فالاستعمار الاستيطانيّ لا يُختزل بالهيمنة الاقتصادية أو العسكرية، بل هو مشروع إحلاليّ دائم يقوم على ثلاثية جوهرية:

1. الاستيلاء على الأرض عبر القانون والممارسات العسكرية.

2. نزع الملكيّة والهوية عن السكّان الأصليّين.

3. إنتاج مجتمع جديد بديل يُعيد صياغة التاريخ والذاكرة واللغة لتبرير وجوده.

يُبرز نديم روحانا في مقدمته أنّ الصهيونيّة تمثّل المثال الأوضح لهذا النمط من الاستعمار، إذ تجمع بين خطاب التحرير الدينيّ (العودة إلى “أرض الميعاد”) وخطاب التقدّم الأوروبيّ (“تحضير الأرض المقفرة”)، لتبرّر الاستيطان على أنه فعل خلاص حضاريّ. هذا الازدواج الخطابي، كما يشرح، مكّن المشروع الصهيوني من الجمع بين الشرعية الدينية والأخلاقية والسياسية، ما جعله أكثر مرونة من الكولونياليات الكلاسيكية التي اعتمدت على السيطرة المباشرة.

ثانيًا: المقارنة مع الحالة الجزائرية – قراءة أباهر السقّا

في دراسة معمّقة ضمن الكتاب، يقارن أباهر السقّا بين الاستعمار الفرنسي في الجزائر والاستعمار الصهيوني في فلسطين، مبرزًا أن كليهما شكّلا مشروعًا لإعادة هندسة المجتمع والأرض لا مجرد احتلال.
يُبيّن السقّا أن الاستعمار الفرنسي، منذ 1830، اتّخذ شكلًا هرميًا واضحًا بين المستعمِرين والمستعمَرين، بينما كان المشروع الصهيوني أكثر تعقيدًا، إذ تماهى مع فكرة “غياب المركز المتروبوليتانيّ”، فبدا كأنه حركة ذاتية لليهود لا كامتداد لإمبراطورية. لكن هذا “الغياب” ليس سوى إخفاء مقصود للبنية الإمبريالية الغربية التي رعته سياسيًا واقتصاديًا منذ الانتداب البريطاني حتى اليوم.

يستعرض السقّا أوجه التشابه:

نزع الملكية: كما صادر الفرنسيون أراضي القبائل تحت ذريعة “المنفعة العامة”، صادرت إسرائيل الأراضي الفلسطينية باسم “أراضي الدولة” و”المصلحة الأمنية”.

الهندسة الديموغرافية: في الجزائر، حاولت فرنسا خلق أغلبية أوروبية عبر التجنيس، بينما سعت إسرائيل إلى خلق أغلبية يهودية عبر التهجير القسريّ للفلسطينيين وجلب المهاجرين.

سياسة العنف البنيويّ: كلتا الحالتين اعتمدتا العنف الشامل والممنهج كأساس لإخضاع الشعب الأصلي، من الإبادة في الريف الجزائري إلى مجازر القرى الفلسطينية عام 1948.

التمييز القانونيّ: في الجزائر قانون “الأصلانيّة” (Code de l’indigénat) الذي حرم السكان من المواطنة؛ وفي إسرائيل منظومة قوانين تمنح الامتياز الحصري لليهود، وتحرم الفلسطينيين من السيادة رغم منحهم هوية مدنية شكلية.

تُظهر المقارنة أنّ الاستعمار الصهيوني، على غرار الفرنسي، لم يكن هدفه دمج السكان الأصليين، بل إحلال جماعة جديدة محلهم ضمن ما يسميه السقّا “نظام السيطرة الكاملة على الجغرافيا والتاريخ”.

ثالثًا: الخطاب الكولونياليّ وآليّات شرعنة السيطرة

يحلّل السقّا والباحثون الآخرون في الكتاب كيف تستند الصهيونيّة إلى خطاب كولونياليّ مزدوج:

التحضّر مقابل التخلّف: حيث يُقدَّم الفلسطينيّ باعتباره بدويًّا أو متخلّفًا لا يعرف استثمار الأرض، في مقابل “الحديث اليهوديّ” الذي يحمل “رسالة التحضّر”.

التفوق الأخلاقيّ والإنسانيّ: الذي يبرّر الاحتلال بوصفه مهمّة أخلاقية، تمامًا كما قال جول فيري في خطابه عن “الواجب الحضاري للأعراق العليا”.

الاستثناء القانونيّ: حيث تُطبَّق القوانين لشرعنة الاغتصاب، لا لمنعِه، فتُصبح العدالة شكلًا من أدوات السيطرة، وفقًا لتحليل جورجيو أجامبن حول “حالة الاستثناء”.

من خلال هذا المنظور، تتحول الصهيونيّة إلى نظام خطاب يبرّر العنف عبر اللغة، ويصوغ الهيمنة عبر التسمية. فاللغة العبرية الحديثة، كما يشير السقّا، لم تكن مجرّد أداة تواصل، بل أداة سيادة رمزية تعيد تسمية الجغرافيا الفلسطينية: من القرى إلى الشوارع والأنهار، في عملية “عبرنة” متواصلة تسعى إلى محو الذاكرة العربية.

رابعًا: البنية الطبقية والاقتصاد السياسيّ للاستعمار

يُبيّن محمود يزبك في الفصل الثاني من الكتاب أن الاقتصاد الفلسطيني في عهد الانتداب كان اقتصادًا خاضعًا لمنظومة كولونيالية مزدوجة: السيطرة البريطانية من جهة، والرأسمال الصهيوني من جهة أخرى.
ترافق ذلك مع سياسات إحلال العمالة اليهودية مكان الفلسطينية، واحتكار الأرض والمياه، وتوجيه الاقتصاد نحو خدمة المستوطنات. هذه البنية – وفقًا ليزبك – لم تنتهِ بعد النكبة، بل استمرت في شكل اقتصاد استعماريّ داخليّ، حيث يُدمَج الفلسطينيّ في سوق العمل الإسرائيليّ كمستعمَر تابع دون تمكين اقتصاديّ أو سياديّ.

خامسًا: فاعليّة المستعمَر – المقاومة بوصفها إنتاجًا للمعنى

على خلاف الخطاب الغربيّ الذي يصوّر المستعمَر كضحية سلبية، يبرز الكتاب في بابه الثالث مفهوم فاعليّة المستعمَر. فالمقاومة الفلسطينية – كما في أعمال عرين هوّاري وأميرة سلْمي وقسم الحاجّ – ليست فقط نضالًا عسكريًّا، بل أيضًا مقاومة ثقافية ورمزية ومعرفية.

في الأغنية الشعبيّة الثورية، تتجلّى الذاكرة الجمعية كأرشيف مضادّ للاستعمار.

في السرديات الشفوية، تُستعاد القرى المدمّرة لتُهزم رواية “الأرض بلا شعب”.

في اللغة واليوميّ، تُنتج المرأة والرجل الفلسطينيّ هوية مقاومة تتجاوز الخطاب الذكوريّ والسلطة الأبوية التي غذّاها الاستعمار.

إنّ استعادة الفعل الفلسطيني في التاريخ تمثّل هنا بعدًا تحرّريًا مزدوجًا: تحرير الأرض من الاستعمار، وتحرير المعرفة من احتكار المستعمِر.

سادسًا: الاستعمار المعرفيّ وإنتاج الوعي

تناقش أريج صبّاغ خوري ظاهرة الاستعمار المعرفيّ الإسرائيليّ الذي يسعى إلى فرض رؤية “علمية” مزعومة للواقع الفلسطيني، عبر الجامعات ومراكز الأبحاث الإسرائيلية التي تنتج معرفة عن الفلسطينيّين لتوجيه السياسات ضدّهم.
تبيّن الباحثة أن علم الاجتماع الإسرائيليّ لم يكن يومًا علمًا محايدًا، بل أداة لشرعنة السيطرة. فكلّ بحث يُجرى عن “المجتمع العربي في إسرائيل” هو في جوهره بحث أمنيّ وإداريّ، هدفه فهم “العرب” لإدارتهم، لا لفهمهم من الداخل.

خاتمة: نحو نظرية فلسطينية للاستعمار الاستيطانيّ

يُقدّم هذا الكتاب مساهمة أساسية في صياغة ما يمكن تسميته بـ “النظرية الفلسطينية في دراسة الاستعمار الاستيطانيّ”. فهي لا تكتفي بتبنّي النظريات الغربية (من فرانز فانون إلى باتريك وولف)، بل تعيد إنتاجها من داخل التجربة الفلسطينية ذاتها، بما يكشف عن خصوصية الحالة الصهيونية:

أنّها استعمار بلا “مركز”، لكنه مرتبط بكلّ المراكز الإمبريالية الغربية.

أنّها دولة إحلاليّة تتغذّى على فكرة الخلاص الدينيّ والحداثة الليبرالية في آنٍ واحد.

وأنّ المقاومة الفلسطينية – المادية والمعرفية – هي الشكل الأرقى لإعادة الحقّ في السرد والوجود.

من هنا، يصبح تفكيك الصهيونيّة شرطًا لفهم جوهر الحداثة الغربية نفسها؛ إذ ليست إسرائيل انحرافًا عنها، بل أحد تجلّياتها القصوى. فالاستعمار الاستيطانيّ ليس مجرد فصلٍ في تاريخ فلسطين، بل هو مرآة للعالم الحديث حين يبلغ أقصى درجات تناقضه بين الحرية المعلنة والإبادة الممارسة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com