استخدامات الغضب: قراءة في خطاب أودري لورد حول العنصرية والنسوية

باسم الموسوي

في محاضرتها الشهيرة «استخدامات الغضب: استجابة النساء للعنصرية» التي ألقتها عام 1981 في مؤتمر “الرابطة الوطنية لدراسات المرأة”، قدّمت أودري لورد واحدة من أكثر المداخل عمقًا وإثارة في الفكر النسوي المعاصر. في هذا النص الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان، تحوّل لورد الغضب من شعورٍ يُدان إلى أداةٍ للوعي والتحرّر، وتكشف عن الطاقات الكامنة فيه باعتباره لغةً سياسية وأخلاقية قادرة على تفكيك بنى القهر، وإعادة تعريف معنى التضامن بين النساء.

الغضب كاستجابة أخلاقية للعنصرية

ترى لورد أن الغضب ليس انفعالًا عابرًا، بل استجابة أخلاقية ومعرفية للظلم البنيوي الذي تمارسه العنصرية ضد النساء الملوّنات. فهو، في نظرها، ردّ طبيعي على واقعٍ من التمييز والإقصاء. وتقول بوضوح: «لقد علّمني خوفي من الغضب لا شيء، وخوفكم من الغضب لن يعلّمكم شيئًا أيضًا». بهذا التصريح، تنزع لورد الغضب من منطق العيب أو الخطر، وتضعه في سياق المقاومة؛ فهو ليس تهديدًا للآخرين بل تهديدٌ للنظام الذي يَمنح البعض امتيازًا على حساب الآخرين.

تُظهر لورد من خلال أمثلةٍ عديدة كيف يُحاول بعض النساء البيض تلطيف غضبها أو ضبط نبرتها كي لا يشعرن بالانزعاج، وكأنّ المشكلة في أسلوبها لا في مضمون تجربتها. لكنها تُصرّ على أن المشكلة الحقيقية ليست في صوت المرأة الغاضبة، بل في خوف المجتمع من الاعتراف بما يفضحه ذلك الصوت من حقائقٍ مؤلمة حول الامتياز العِرقي.

ذنب البياض كآلية دفاعية

تضع لورد إصبعها على الجرح عندما تنتقد ما تُسمّيه «الذنب الأبيض»، أي شعور بعض النسويات البيض بالذنب إزاء التمييز العنصري دون ترجمة ذلك إلى وعيٍ أو تغيير. فالذنب، كما ترى، ليس وعيًا، بل وسيلة دفاعية تُبقي الوضع على ما هو عليه. تقول: «الذنب ليس سوى اسم آخر للعجز». بهذا المعنى، يصبح الذنب آلية لتجنّب المواجهة، إذ يُستخدم لتسكين الضمير بدلًا من مساءلة الذات أو البنية.

وتقدّم مثالًا دقيقًا حين تذكر أن بعض المشاركات في المؤتمرات النسوية يقلن: «لم تحضر نساء ملوّنات إلى المؤتمر»، في حين يغفلن عن أن غيابهن ناتج عن نظامٍ يهمّش أصواتهنّ ويستبعدهنّ ماديًا ومؤسساتيًا. فالعنصرية هنا ليست مسألة نيةٍ سيئة، بل بنية متوارثة داخل المؤسسات النسوية نفسها.

من الغضب إلى الوعي

تُعيد لورد تعريف الغضب بوصفه طاقةً معرفية يمكن أن تُوجّه نحو التغيير. فهو «محمّل بالمعلومات والطاقة»، كما تقول، أي إنه يتيح فهماً جديدًا للعلاقات بين النساء ويُساعد على تفكيك الامتيازات التي تخترقها. وهو ليس تدميرًا بل توضيح، لأن ما يُخيف الناس ليس صوت الغضب ذاته، بل ما يكشفه من حقائق مسكوتٍ عنها.

وتفرّق لورد بين الغضب والكراهية: فالكراهية تهدف إلى الإلغاء، بينما الغضب يسعى إلى التحوّل. في الغضب إمكانية أخلاقية، وفي الكراهية نزعة استئصال. لذلك، ترى أن كبح الغضب أو تلطيفه لا يُنتج سلامًا حقيقيًا، بل يُعيد إنتاج الصمت الذي يخدم النظام القائم على السيطرة والامتياز.

الاختلاف كقيمة خلاقة

أحد أعمدة فكر لورد هو فكرة الاختلاف الخلّاق. فهي تدعو النساء إلى مواجهة اختلافاتهنّ العرقية والاجتماعية لا لتجاوزها بل لفهمها. تقول: «قوة النساء تكمن في إدراك الاختلافات بيننا باعتبارها عناصر إبداع، وفي مواجهة التشوّهات التي ورثناها دون أن نكون مسؤولات عنها».

الغضب هنا يصبح لغة للحوار بين النساء بدلًا من أن يكون جدارًا يفصل بينهن. فحين تعبّر امرأة ملوّنة عن غضبها، لا ينبغي للمرأة البيضاء أن تُقابل ذلك بالذنب أو الدفاع، بل بالإنصات والفهم، لأن هذا الغضب لا يستهدفها كشخص بل يستدعيها كشريكة في مشروع العدالة.

الغضب كأداة للبقاء والتحرّر الجماعي

تكتب لورد من موقع التجربة لا من برجٍ نظري. فهي امرأة سوداء، مثلية، وأمّ، تعرف معنى القهر ومعنى النجاة. تقول: «لقد كان غضبي مؤلمًا، لكنه أنقذ حياتي». فالغضب بالنسبة إليها ليس مجرد شعورٍ بل وسيلة للبقاء، وللاستمرار في مقاومة نظامٍ يجعل النساء غير البيض في الهامش.

وترى أن حرية المرأة لا يمكن أن تكون فردية، بل هي حرية متبادلة: «أنا لست حرّة ما دامت هناك امرأة واحدة غير حرّة، حتى لو كانت قيودها مختلفة عن قيودي». هذا الوعي العميق بالترابط الإنساني يحوّل الغضب من طاقة شخصية إلى مشروعٍ تحرّري مشترك، ومن انفعالٍ إلى التزامٍ سياسي وأخلاقي.

رؤية أخلاقية للعالم

في خاتمة نصها، تُقدّم لورد مفارقةً حادّة: الغضب الأسود ليس ما يُهدّد العالم، بل الكراهية المؤسسية التي تُنفق المليارات على الأسلحة، وتدمّر البشر والطبيعة. ليس غضب النساء السود هو الذي يُنتج العنف، بل صمت الآخرين أمام الظلم.

وتكتب ببلاغةٍ تجمع بين الشعر والفكر: «نستخدم ما امتلكناه من قوى، بما في ذلك الغضب، لنساعد في بناء عالمٍ يمكن لجميع أخواتنا أن ينمو فيه، وأن يحبّ أطفالنا فيه، وأن تتجاوز فيه لذّة اللقاء والاختلاف الحاجةَ إلى التدمير». هنا يتحوّل الغضب إلى رؤية بنّاءة، وإلى أداةٍ لخلق عالمٍ أكثر عدالة وإنسانية.

خاتمة

ما تفعله أودري لورد في «استخدامات الغضب» هو إعادة الاعتبار إلى المشاعر السياسية المهمّشة، وإثبات أن الغضب ليس ضد العقل بل أحد أشكاله. فهو، حين يُوجَّه بوعي، يصبح معرفةً وموقفًا، وحين يُكبت يتحوّل إلى مرضٍ اجتماعي يرسّخ الصمت والهيمنة.

من خلال هذا النص، تفتح لورد أفقًا جديدًا للفكر النسوي يتجاوز حدود اللون والطبقة والجندر، وتدعو إلى بناء تضامنٍ يقوم على الصراحة لا على المجاملة، وعلى الشراكة لا على التبعية. فالغضب، في نهاية المطاف، ليس عدوّ المحبة، بل شرطها الأخلاقي، لأنه وحده يُعرّي الظلم ويُمهّد الطريق نحو عالمٍ أكثر صدقًا وإنصافًا.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com