
باسم الموسوي
يشكّل كتاب «الأسس المقدّسة للعدالة في الإسلام: تعاليم الإمام علي بن أبي طالب»، الذي حرّره م. علي لخاني بمشاركة رضا شاه كاظمي وليونارد لِوِسُن، ومع مقدّمة علمية للبروفيسور سيد حسين نصر، أحد أبرز الأعمال المعاصرة التي أعادت اكتشاف مفهوم العدالة في الإسلام من جذوره الميتافيزيقية والروحية. فالكتاب لا يقدّم الإمام عليًّا بوصفه سياسيًّا أو فقيهًا فحسب، بل باعتباره فيلسوفًا للوجود الإنساني، ومجسّدًا للتوازن الدقيق بين الحقّ والعدل، بين المعرفة الإلهية والحكم الرشيد، بين الروح والقانون.
منذ الصفحات الأولى، يبيّن سيد حسين نصر في مقدّمته أن العدالة في الإسلام ليست مبدأً وضعيًّا أو نظامًا إداريًّا، بل هي اسمٌ من أسماء الله وتجسيدٌ لصفته «العدل» و«الحقّ». فالله، في نظر الإمام علي، ليس فقط عادلًا بل هو العدالة نفسها، كما هو الحقّ نفسه. من هنا، يصبح البحث عن العدالة بحثًا عن الحقيقة الإلهية، أي عن التوازن الكوني الذي تتجلّى فيه وحدة الوجود. العدالة، بحسب نصر، هي إعادةُ كلّ شيءٍ إلى موضعه في نظام الخلق، وهي فعلٌ ميتافيزيقي قبل أن تكون فعلًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا. فحين نعيد الأشياء إلى مواقعها الحقيقية، فإننا نعيد التوازن إلى الوجود، ونستعيد الانسجام بين الإنسان والسماء.
أما م. علي لخاني، في فصله المعنون «الميتافيزيقا في الحكم الإنساني: الإمام علي، الحقيقة والعدالة»، فينطلق من رؤية الإمام علي التي ترى أن الوجود كلَّه يقوم على ركيزتين: الحقيقة (الحق) والعدالة (العَدل). فالحقيقة هي معرفة طبيعة الواقع كما هو في جوهره، بينما العدالة هي الامتثال لذلك الواقع في السلوك والعمل. لذلك فالعادل عند الإمام علي هو من يعيش وفق نظام الحق، لا من يطبّق قانونًا بشريًا فحسب. ويذكّرنا لخاني بأن الإمام علي لم يفصل يومًا بين التأمل الروحي وإدارة الحكم؛ فعدله السياسي امتدادٌ لصفائه الروحي، وإحساسه بالمسؤولية تجاه الناس نابع من معرفته بالله. فالظلم، كما يراه، ليس مجرّد انتهاك لحقّ الآخرين، بل هو جهلٌ بالحقيقة وانفصالٌ عن مصدر الوجود.
ويُظهر لخاني أن هذه الرؤية الميتافيزيقية للعدالة تمتدّ إلى فهم الإمام علي للطبيعة والعالم. ففي نهج البلاغة، تتجلّى تأملاته في الخلق — من أصغر الكائنات إلى أعظم المجرّات — كأنها دعوة إلى التأمّل في التناسق الكوني الذي يحكم كلّ شيء. فالعدل، عنده، هو المبدأ الذي يحفظ هذا التوازن؛ ومن يخلّ به في نفسه، يفسد النظام كلّه. لذلك كان يقول إن أول أشكال الظلم أن يكون الإنسان ظالمًا لنفسه، أي غافلًا عن جوهره الذي هو نفحةٌ من الروح الإلهية.
في الفصل الثاني، «المفهوم المقدّس للعدالة: رسالة الإمام علي إلى مالك الأشتر»، يقدّم رضا شاه كاظمي قراءةً تحليلية لإحدى أعمق الوثائق السياسية في التراث الإسلامي: رسالة الإمام إلى واليه على مصر، مالك الأشتر. لا تُعَدّ هذه الرسالة مجرّد تعليماتٍ للحكم، بل ميثاقًا أخلاقيًّا عالميًّا يربط بين السلطة والرحمة، بين القوة والمسؤولية. فالإمام يذكّر واليه بأن الناس صنفان: «إمّا أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخَلق». بهذه العبارة، يلخّص الإمام فلسفة العدالة التي تقوم على المساواة الوجودية بين البشر. فالعدل لا يتحقق بالقهر، بل بالرحمة، ولا يُصان النظام إلا بالإنصاف، لا بالبطش. ويرى كاظمي أن هذه الرسالة تقدّم نموذجًا للحكم العادل، يسبق في جوهره كل النظريات الحديثة في الحكم الرشيد وحقوق الإنسان.
ثمّ يأتي الفصل الثالث، «أخلاق الرحمة في مرآة التصوف الفارسي»، الذي كتبه ليونارد لِوِسُن، ليُكمل الصورة الروحية. فبينما تميل بعض التصورات إلى ربط العدالة بالقصاص، يُظهر الإمام علي أن العدالة لا تنفصل عن الرحمة. فالحديث القدسي «إنّ رحمتي سبقت غضبي» هو المبدأ الذي يحكم علاقته بالناس وبالله في آنٍ معًا. ويبيّن لِوِسُن كيف رأى المتصوّفة الفرس في الإمام علي نموذجًا للفروسية الروحية (الفُتُوّة) التي توحّد بين القوة والرحمة، بين الشجاعة والتسامح. فالعدل هنا ليس انتقامًا، بل تجلّي المحبّة في ميزان الحقّ، والرحمة ليست ضعفًا، بل الوجه الآخر للحكمة الإلهية.
من خلال هذه الفصول، يقدّم الكتاب رؤيةً متكاملة للعدالة كحقيقةٍ كونية تتجسّد في حياة الإنسان العارف. فالعدالة عند الإمام علي ليست نظامًا قانونيًا بل نظامُ وجودٍ، وهي لا تبدأ من الدولة بل من القلب. من أقام العدل في نفسه، أقام الحقَّ في العالم. ولذلك فإن السياسة، في معناها الأصيل، هي ممارسةٌ روحية بامتياز؛ إنها السعي لتحقيق التوازن بين الإنسان وخالقه، وبين الفرد والمجتمع، وبين الظاهر والباطن.
إنّ الأسس المقدّسة للعدالة في الإسلام ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل دعوة إلى استعادة البُعد الروحي للعدالة في زمنٍ طغت فيه القوانين على القيم، والمصالح على المبادئ. فالعدالة، كما يعلّمنا الإمام علي، ليست فعلًا إداريًّا بل عبادة، وليست شعورًا أخلاقيًّا بل معرفةٌ بالحقّ الذي هو الله نفسه.
«العدالة ميزان الله في خلقه، من أقامه في نفسه أقام به العدل في غيره».
بهذه العبارة يمكن تلخيص روح الكتاب، الذي يضع الإمام عليًّا في مكانته الحقيقية: ليس فقط أوّل من أسّس مفهوم الدولة العادلة في الإسلام، بل أوّل من جعل العدالة طريقًا إلى معرفة الله.