
باسم الموسوي
يقدّم كتاب « 38 LONDRES STREET» لفيليب ساندز نموذجاً فريداً في فضح تواطؤ القانون الدولي مع الإفلات من العقاب، حين يصبح النظام القضائي نفسه أداة لتبرير الجرائم لا لمحاسبتها. فالعمل الذي يستعيد سيرة اعتقال بينوشيه في لندن لا يتوقف عند تجربة ديكتاتورٍ واحد، بل يفتح على سؤالٍ أعمق: لماذا ينجو مجرمو الإبادة من العدالة إذا كانوا يخدمون منظومة الهيمنة العالمية؟ ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الكتاب في ضوء واقعنا الراهن، حيث يُكرَّس الإفلات ذاته لأولئك الذين يمارسون الإبادة ضد الشعب الفلسطيني تحت مظلة الصهيونية، وبحماية المنظومة نفسها التي حمت بينوشيه قبل عقود.
العدالة بوصفها انتقائية إمبراطورية
في السرد الذي يعيد تركيب علاقة بينوشيه بالنظام الدولي، يتضح أنّ العدالة الغربية ليست كونية بل وظيفية، تُستدعى فقط عندما لا تُهدّد مصالح القوى الكبرى. فالمحاكم التي تجرؤ على ملاحقة طاغية من العالم الثالث تصمت تماماً أمام القادة الذين يمارسون القتل الجماعي حين يكونون جزءاً من المشروع الغربي. إنّ منطق الولاية القضائية العالمية الذي احتفت به النخب القانونية بعد توقيف بينوشيه لم يُفعّل يوماً ضد مجرمي الحروب الصهاينة، رغم أن جرائمهم موثقة بالصوت والصورة في غزة وجنين والقدس. إنّ التواطؤ بين القوة والقانون يجعل القانون امتداداً للعنف، لا حدّاً له؛ يصبح التوقيف الاستثنائي لبينوشيه حدثاً دعائياً لا مبدأً أخلاقياً، يُذكّر بأنّ «العدالة» في الغرب لا تتجاوز حدود المصلحة الإمبراطورية.
من باتاغونيا إلى فلسطين: تكرار البنية الاستعمارية
يكتشف القارئ أنّ بينوشيه لم يكن حالةً معزولة، بل حلقة في سلسلة تاريخية تربط الفاشية الأوروبية بالاستعمار الحديث. فالضابط النازي فالتر راوف، الذي شارك في تصميم الشاحنات الغازية، يجد ملجأً في تشيلي ويعمل مع نظام بينوشيه على إدارة مصانعٍ وصناعاتٍ تخدم الدولة العسكرية. هذه الاستمرارية بين النازية القديمة والأنظمة العسكرية الحديثة تعيدنا إلى الصهيونية التي وُلدت من رحم السياق نفسه، حيث تحوّلت تجربة الاضطهاد اليهودي إلى مبرّر لبناء دولة استعمارية تمارس اضطهاداً أعنف على شعبٍ آخر. فالناجون من النازية أنشأوا دولةً تتبنّى أدواتها: التجريد، العزل، المحو، واللغة التقنية للقتل. وكما استخدم بينوشيه خطاب “إنقاذ الوطن من الشيوعية”، يستخدم الصهاينة خطاب “الدفاع عن النفس” لتبرير القصف والتطهير.
الجريمة كذاكرة مؤسِّسة
يُظهر السرد أنّ الذاكرة ليست مجرد تذكّر، بل صراعٌ على المعنى. حين يعيد ساندز فتح ملفات التعذيب في «لندن 38»، يكشف كيف تُبنى الدول على نسيانٍ متعمّد، وكيف يصبح التذكّر عملاً مقاوماً. وهذا ما يواجهه الفلسطينيون اليوم: مقاومة محو الذاكرة. فالمجازر في غزة، دير ياسين، صبرا وشاتيلا، ليست أحداثاً منفصلة، بل حلقات في منظومة واحدة، تُدار كما أدار بينوشيه نظامه—بالمكاتب، والوثائق، والأوامر العسكرية، والبيروقراطية التي تُحوّل القتل إلى إجراء قانوني. ما فعله بينوشيه في السبعينيات تكرّره إسرائيل اليوم تحت غطاء «الأمن» و«مكافحة الإرهاب»، بينما يتولّى الإعلام الغربي والأنظمة الدولية وظيفة التبرير.
القانون بين الضمير والهيمنة
تجربة ساندز كمحامٍ في قضية بينوشيه تكشف التناقض الجوهري في القانون الدولي: أنه نشأ كآلية لضبط العنف الإمبراطوري لا لمواجهته. فالمبادئ التي حوكم بها النازيون في نورمبرغ – «الجرائم ضد الإنسانية» – لم تُطبّق لاحقاً على القوى المنتصرة ولا على حلفائها. واليوم يتكرّر المشهد مع الكيان الصهيوني، إذ تتلكأ محكمة الجنايات الدولية في توجيه اتهامات واضحة رغم وضوح الجريمة، فيما تُجرَّم المقاومة الفلسطينية لأنها تقوّض النظام الذي صُمّم لحماية المعتدي. العدالة هنا تصبح مسرحاً: تُفتح الملفات حين يسقط الحاكم المطيع، وتُغلق حين يكون الجاني حليفاً استراتيجياً.
الذاكرة المقاومة
الكتاب يذكّرنا بأنّ المكان يمكن أن يتحوّل إلى ذاكرة حيّة: فالمبنى رقم 38 في سانتياغو غدا متحفاً للتذكّر، كما تتحوّل أنقاض غزة ومقابر جنين إلى متاحف مستقبلية لضمير البشرية. كلّ حجرٍ هناك يشبه وثيقة اتهام. في مواجهة النسيان المؤسّسي، تُصبح الذاكرة الشعبية فعل عدالةٍ بديلٍ، تعيد تعريف الضحية لا ككيانٍ ضعيف بل كشاهدٍ على جريمةٍ مستمرّة. هذه الذاكرة، التي حاولت الأنظمة العسكرية محوها، هي نفسها التي تحاول الصهيونية اليوم سحقها بالقصف، لأنها تدرك أنّ العدالة تبدأ من الوعي.
خاتمة
يحوّل ساندز في « 38 LONDRES STREET» السرد القانوني إلى تأمّلٍ أخلاقي في معنى العدالة والإنسان، ويُبرز أن الجرائم التي تُرتكب باسم «النظام» أو «الأمن» لا تزول بالتقادم. ومن خلال إسقاط هذا الدرس على واقعنا، يظهر أنّ العالم الذي سمح لبينوشيه بالنجاة هو ذاته الذي يحمي القتلة في تل أبيب من أي مساءلة. إنّ المعركة ليست بين الجنوب والشمال فقط، بل بين ذاكرةٍ إنسانية تسعى إلى العدالة وذاكرةٍ استعمارية تُقدّس القوة.
وحين تصبح العدالة انتقائية، لا يبقى سوى الذاكرة المقاومة لتقول: إنّ لندن 38 وغزة شارع واحد في خريطةٍ واحدة للجريمة والضمير.