الشيخ علي الخطيب: صوت وطني يعيد الاعتبار للمواطنة في زمن الطوائف

بقلم الدكتور أسامة توفيق مشيمش

في بلد يعاني من أزمات مزمنة في بنيته السياسية والاجتماعية، يبقى غياب المواطنة الحقيقية إحدى أبرز العلل التي تحول دون قيام دولة عادلة وقادرة. فلبنان، منذ تأسيسه، ظل أسير المحاصصة الطائفية التي قوّضت مؤسساته، وقسّمت مجتمعه، ودفعت به نحو مزيد من الانقسامات. ولعل عبارة اللواء فؤاد شهاب: “في لبنان لا يوجد مواطنون بل سكان”، كانت تشخيصاً مبكراً لواقع سياسي بني على توازنات هشة، لا على حقوق متساوية.

لم تكن المشكلة في الطوائف بحد ذاتها، بل في النظام الذي حوّلها إلى أدوات للحكم والإدارة. فقد هيمنت المارونية السياسية على مفاصل الدولة لسنوات، واستأثرت بنسبة 50% من المناصب والوظائف العامة، تاركة النصف الآخر مقسوماً على بقية الطوائف، بحيث لم تتعدّ حصة كل طائفة 5%، فيما كانت مفاتيح الدولة السياسية والاقتصادية والأمنية بيد طبقة ضيقة تربط مصالحها بالسلطة.

أمام هذا الواقع، لم يكن غريباً أن ينادي الإمام المغيّب السيد موسى الصدر بمشروع وطني جامع، مرتكز إلى عبارة خالدة: “الطوائف نعمة والطائفية نقمة”. لقد أراد أن يصنع من تنوّع لبنان قوة، لا سبباً لانقسامه، فحمل راية المواطنة، ودعا إلى وحدة وطنية تحفظ الوطن وتحمي نسيجه من التفكك.

هذا النهج الوطني استمر مع قادة وطنيين من الطائفة الشيعية، من أبرزهم الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والرئيس نبيه بري، والسيد حسن نصر الله، الذين رسخوا مفهوم أن لبنان لا يقوم إلا بجناحيه المسلم والمسيحي، ولا ينهض إلا بشراكة متوازنة وعدالة شاملة.

وفي سياق هذا الامتداد الطبيعي لمشروع الدولة والمواطنة، يبرز اليوم دور سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، كأحد الأصوات الدينية المعتدلة التي تؤمن بالدولة المدنية، وتدافع عن حق المواطن في العدالة والمشاركة، بصرف النظر عن انتمائه الطائفي أو المناطقي.

من خلال خطاب متزن ومنفتح، يركّز الشيخ الخطيب على بناء الإنسان كمواطن لا كعضو في طائفة. فقد دأب على المشاركة في اللقاءات الحوارية، والبيانات التوجيهية، والمحاضرات الفكرية التي تؤسس لثقافة مدنية جامعة. ويرى سماحته أن المرجعية الدينية، متى تحررت من العصبية، يمكن أن تكون شريكاً أساسياً في إعادة بناء الدولة، لا عاملاً في تقسيمها.

وقد عبّر عن هذا التوجه في أكثر من مناسبة، مؤكداً أن “الطائفة لا تكون بخير إذا لم يكن الوطن بخير”، واضعاً معياراً وطنياً للانتماء الديني. بل أكثر من ذلك، دعا إلى صياغة عقد اجتماعي جديد، يتجاوز المحاصصة ويؤسس لمواطنة حقيقية، حيث يتساوى الجميع أمام القانون.

في ظل أزمات لبنان الاقتصادية والاجتماعية، ومع تآكل ثقة المواطنين بمؤسساتهم، يعمل الشيخ الخطيب على تفعيل دور المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى كمؤسسة وطنية، لا طائفية، مهمتها الدفاع عن حقوق المواطنين والمساهمة في إصلاح بنية الدولة. ويركّز على ضرورة إعادة توزيع الثروات بشكل عادل، ومحاربة الفساد، ووقف الاستئثار بالسلطة، وهي شروط أساسية لأي مشروع مواطني ناجح.

وما يميّز الشيخ الخطيب أنه لا يطرح هذه الأفكار في الغرف المغلقة فقط، بل يذهب إلى الميدان، يلتقي بشخصيات من مختلف الطوائف والمناطق، ويطلق مبادرات هدفها بناء جسور التواصل وتفكيك الحواجز النفسية والطائفية التي زرعتها الحرب والنظام الطائفي.

إن النموذج الذي يقدمه سماحة الشيخ علي الخطيب ليس فقط دليلاً على وعي ديني رفيع، بل شهادة على أن الدين، حين يُفهم على حقيقته، يمكن أن يكون منطلقاً للوحدة لا للفرقة، وللعدالة لا للامتياز، وللدولة لا للطائفة.

لبنان اليوم في مفترق طرق. فإما أن يواصل الغرق في مستنقع الطائفية والانقسام، وإما أن يتبنى خيار الدولة والمواطنة والمشاركة. في هذا السياق، يبدو صوت الشيخ الخطيب واحداً من الأصوات القليلة التي تنبع من عمق ديني، لكنها تتطلع إلى أفق وطني جامع، يُعيد الاعتبار للإنسان كإنسان، وللوطن كمكان للعدالة

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com