
كتبت سلوى فاضل:
لم أستغرب أبدا أن يكتب أستاذي في مدرسة البابليّة الرسميّة كتابًا أوسع من الـ500 صفحة الذي خط سيرته على ورقها، ولكني استغربت حجم المعلومات والوثائق التي أوردتها ذاكرته القوّية. إنّه المدير محمد حرب.
كتب لنفسه ولنا وللقارىء-الباحث عن المعلومة الصحيحة، حيث وضعنا مباشرة في مكان قريب جدًا من الحدث القديم، والحدث الجديد والتاريخ، فأرجعنا إلى ماضٍ مُوغل في الذاكرة، ذاكرة مُحيط شعبيّ مُقيم على دافع وطنيّ.
بدأ “الأستاذ” محمد حرب كتابه “سيرة متواضعة في وطن على قلق منذ التأسيس” بالتواضع من العنوان أولاً، ومن ذاتٍ نَفَتْ نفسها دومًا، وأكمل السيرة الذاتيّة التي سمّاها “متواضعة” بتاريخ وطن على قلق منذ التأسيس.. ما أوسعه من عنوانٍ مفتوح على التاريخ، على الاستقلال وعلى الحرب الأهليّة وعلى المقاومة الوطنيّة والأزمات الداخليّة والألم الشخصي، ومعاناة البحث عن حلولٍ لضيعةٍ فيها المُتجبّر وفيها العامل بصمت، وفيها الوطنيّ الخدوم، وفيها المصلحجيّ الشعبويّ الحزبيّ، وفيها الكثير من الوجاهة والترّيّس، وما كان يُعرف في زمن سابق بـ”الأوادم”.
نقطة تواصل
في قريتي، كان ثمة وطنيون يعملون لخدمة البلدة الهادئة بصمت شديد، دون عَراضة، وكان مقابلهم شلّة تُحب الوجاهة والزعامة و”الأبهيّة”. لكن محمد حرب “الأستاذ” كان محط إجماع الجميع نظرًا لإسلوبه الليّن في حلّ المشكلات وباحترام، وهذه كانت صفة أستاذ الضيعة التي جنّبها بإسلوبه هذا الكثير من المُواجهات والمعارك، وإن كان المتحمسون فيها من أحد التنظيمات المحليّة قد استعرض أمام شباب اليسار “اللإستعراضيين” حينها.
سلاسة لامتناهيّة
الكتاب هذا مُفيد من أوجه عدة أبرزها: السرد التاريخي للبنان، سرد سلس سهل مفيد للقارىء الذي يشعر أنه تلميذ في صف أستاذ التاريخ فؤاد إفرام البستاني.
اعتقد أن الكثير من الخبايا لا زالت في جعبة الأستاذ محمد حرب، فالـ509 صفحة لا تحكي عن عمر امتد منذ ما قبل الاجتياح الأول للبنان في آذار من العام 1978 إلى تاريخ اليوم.
القسم الأول تملؤه السياسة والأحداث والتطورات الميدانيّة والثقافيّة والعائليّة، ويتألف من ثلاثة فصول كبيرة. وكذا القسم الثاني الذي يتألف من ثلاثة فصول أيضا، مع ملاحق ومستندات وصور. ويُنير الكتاب مقدمة للأستاذ كامل رضا، رفيق محمد حرب على الدربين الوطني والمهنيّ و”الضيعاوتي”.
وقد اعتبر الأستاذ محمد حرب أن هدفه من الكتاب هو التقويم النقديّ لا التسليّة. من هنا يبدأ الأستاذ كامل رضا تقديمه للكتاب بجملة مميزة: “من يجلس ليكتب سيرته لا بد أن يطرح على نفسه سؤالاً محوره الحقيقة: كم نُظهر منها وكم نُخفي”.
فخلف الكلمات، تختبىء حيوَات، لا تنتهي الأحداث جرّائها، بل تتواصل وتتقلّب فيصفها كامل رضا بجملة رائعة “ليس للحقيقة خد واحد”. لكن رفيق الدرب يعيّ التفاصيل التي يرى “أنها تعرضت على يدي كاتبها ولغته إلى كثير من سطوة الرقابة حتى غدت بسيطة عارضة بلغة تهدف إلى إيصال التجربة بأقل ما يمكن من تعقيدات العرض التي تتموه أحيانا بإيديولوجيا ومفاهيم ملغزة أو ملغمة”.
الكتاب يفتح على عقود بعيدة من الزمن، حيث انطلق وعيه السياسي_ وهو من مواليد العام 1946_ فحين كان في العاشرة من عمره أيّ في العام (1956)، بدءًا من التزامه بـ”حركة القوميين العرب” إلى منظمة العمل الشيوعي، يفتح أشرعة الذاكرة ليُخرج خباياها.
من رحاب منظمة العمل إلى “السيّاديين”
انخرط باكرّا في العمل السياسي دون أن يكون مقاتلا أو محازبًا بالشكل الذي نراه اليوم أو كما رأينا سابقًا في الجنوب ما بعد العام 1982.
كان واضحًا في الأمور السياسيّة، فعبّر عن رأيه بصراحة، لكنه سايس وهادن ولاطف وأنّقّ كلماته فيما يخصّ ضيعته التي رآها يساريوها جنّة صغيرة رغم علمانيّتهم!.
لم يفتْ الأستاذ محمد حرب أن يحكي لنا معاناته كمواطن خلال الحرب الأهليّة والاجتياحات بالتنّقل والعذابات التي عاناها كلّ لبناني جنوبي وبشكل عام.
من فائدة “النص-الكتاب” أنّه قرأ تاريخ لبنان والمنطقة وفلسطين في مختصر مفيد، كأنه يُسهّل على المَلُولين قراءة العديد من الكتب فجمعها لهم في كتاب واحد زيّنه بسيرة ضيعته وسيرة يسارها وعلّوها بين مُحيطها الفائر المُختلف.
رغم تخلّيه عن الانتساب إلى صفوف “منظمة العمل الشيوعي” رسميّا بُعيد العام 1982 تاريخ الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ظل يساريًا حتى النخاع في مجمل تعاطيه، وإن بات من الحريريين الذين آمنوا بالدولة وبالنظام على طريقتهم، وأيّد إتفاق الطائف، وبات يُدافع عن حركة ما عُرف بـ 14 آذار التي غيّرت وجه لبنان لفترة مُستغلةً الخروج السوري من لبنان بُعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
“جمعية التضامن الإنمائي”
كانت هذه الجمعيّة “جمعية التضامن الإنمائي” الغطاء والستار الذي أدّى تحت اطاره واجبه تجاه بلدته، وتجاه بلده كمواطن له هواه العلمانيّ اليساريّ الباحث عن العدالة والحقوق والمساواة- في ظلّ نظام غير منصف مع أبناء الطبقة الفقيرة وقاتل للطبقة الوسطى ومحارب للطبقة الثقافية فيه-، وهي الجمعيّة التي تسلّم إدارتها في العام 1980 وتركها في العام 2019 أي بعد أربعة عقود من الجد والنشاط والمُتابعة لكلّ ما يخص البلدة وهمومها بالتنسيق والتكافل التامين مع قوى الأمر الواقع.
بالعودة إلى النص التاريخي يسير القارئ مع حرب بكلّ هدوء دون تقّعر أو مفاجئة، حيث يرويّ النص وعبر وجهة نظر موضوعية لا ذاتيّة مُلخصا تاريخيّا مُهمّا لمفاصل بارزة في تاريخ لبنان والمنطقة وبكل أمانة. فالمسألة الفلسطينية بكافة عناوينها تقرأها أمامك مع مُسببات الانتقال الفلسطيني من الأردن إلى الجنوب، وبالتالي لبنان مع ما استتبع حينها من أحداث لا تزال حتى اليوم تُؤكد على وحدة المسار بين لبنان وفلسطين.
فلسطين أبدًا
فبعد خمس سنوات من قيام لبنان تم احتلال فلسطين، وبعد 32 سنة من الاستقلال وقعت الحرب الأهليّة اللبنانيّة. التواريخ مُهمة جدًا لنتعلم من الأحداث، فلبنان له محطات خاصّة منذ العام 1920 إلى العام 1943 إلى العام 1975 إلى العام 1978 إلى العام 1980 إلى العام 1996 إلى العام 2000 إلى العام 2006 إلى العام 2023… كلّ هذه التواريخ ارتبطت بفلسطين والاحتلال والوجود السوريّ في لبنان سواء العسكري أو المدني (النزوح). ولم يرتحْ اللبنانيون أبدًا ولا زالوا في المخاض يعانون حتى هذه الساعة من اقتراب نهاية العام 2025، خاصّة بعد موجة نزوح “علويّ، مسيحي، درزيّ، شيعي” هربًا من مجموعات إرهابيّة داعشيّة سيطرت على سوريا وبدأت بالانتقام.
من الضروري للمهتمين أن يقرأوا ما جاد به الأستاذ محمد حرب الذي قضى عقودًا من العمر ساعيّا في طريق العمل العام. ولم تقف أحزانه الخاصّة حيال فقده ابنته ميسون عن العمل شأنه شأن كلّ مناضل ومجاهد ومُكافح. شكرًا لك “أستاذ” محمد يا من علّمت أجيالًا ولا زال إسمك راسخا في ذكراة المدرسة الرسميّة ككلّ، كدليل على قوّتها وأهميتها وجُودها على أبناء المجتمع الجنوبي ككلّ.
العمل النقابيّ
فصول العمل النقابي لا تقلّ أهمية عن فصول الإدارة والعمل الإداري في غرفة الصناعة بصيدا، هي صولات وجولات تفصيليّة غنيّة تساعد طلاب الرسائل الجامعيّة التي تتناول الجنوب تاريخًا وحكاية في الاستئناس بالحقائق غير المُواربة حيث لا يخبىء ولا يُخفي ولا يغيب عن حدث ما ارتبط بالجنوب وأهله.
ولعل سيرة “محمد حرب المتواضعة” هذه تُشجع الناشطين في الشأن العام في القرى والبلدات الجنوبيّة من الوطنيين العتيقين (وبالأخصّ اليساريين) على المبادرة إلى كتابة سِيرهم الغنيّة بحقيقتها وواقعها بعيدًا عن أي استفزاز وأي استنفار، فهؤلاء لهم صولات وجولات قد تمحُوها الأيام إنّ لم تُسجل في الذاكرة الورقيّة.
