
كتب باسم الموسوي:
تُشكّل السلطوية أحد أكثر الملامح التصاقاً بالأنظمة السياسية العربية منذ نشوء الدولة الحديثة بعد الاستعمار. السؤال الذي يواجه الباحثين والمفكرين العرب هو: لماذا تستمر السلطوية بهذا القدر من الرسوخ؟ وهل يمكن تفسيرها فقط بعوامل اقتصادية وبنيوية، أم أن هناك جذوراً ثقافية ورمزية أعمق تجعلها تبدو طبيعية ومقبولة اجتماعياً؟
انطلاقاً من دراسة عبد الله حمودي حول المغرب، يمكن القول إن السلطوية في العالم العربي ليست مجرد نتاج للقوة العارية أو التبعية للخارج، بل هي أيضاً بنية ثقافية ممتدة، تتجسد في علاقة الشيخ بالمريد، وتنعكس في السياسة، الدين، العائلة، والإدارة.
علاقة الشيخ والمريد: النموذج المؤسس
النموذج الصوفي الذي يقوم على علاقة الشيخ بالمريد، حيث الخضوع المطلق شرط للترقي الروحي، تحوّل عبر التاريخ إلى بنية ثقافية عامة. المريد يتنازل عن إرادته، يخضع لامتحان قاسٍ، ثم يُمنح شرعية القيادة إذا تجاوز المرحلة. هذه العلاقة التي تبدو في ظاهرها روحانية، سرعان ما تسرّبت إلى المجال السياسي.
في المغرب مثلاً، أصبحت علاقة البيعة للملك انعكاساً لعلاقة المريد بشيخه: خضوع مطلق، مقابل وعد بالبركة والحماية. وفي المشرق، تتكرّر العلاقة نفسها في شكل ولاء للزعيم السياسي أو الديني، حيث يُنظر إليه كوسيط بين الأتباع و”المصلحة العليا”، سواء كانت الأمة أو الثورة أو الدين.
الازدواجية والهيمنة الرمزية
تفسّر هذه البنية الازدواجية التي يعيشها الأفراد في المجتمعات العربية: فالشخص قد يكون خاضعاً لرئيسه، لكنه يطالب خضوع مرؤوسيه له بالصرامة نفسها. هنا يتجلى العنف الرمزي الذي يجعل الخضوع طبيعياً، ويحوّل الطاعة إلى استثمار مستقبلي في السلطة.
هذه الازدواجية تعمّق الاستمرارية السلطوية: فالخضوع ليس مجرد إكراه خارجي، بل يصبح جزءاً من الهوية الاجتماعية، حيث كل فرد يتماهى مع موقع المريد، لكنه يحلم بأن يصبح شيخاً بدوره.
الاستعمار وإعادة إنتاج السلطوية
الاستعمار الأوروبي لم يلغِ هذه البنى، بل أعاد تشكيلها. في المغرب، مصر، سوريا والعراق، استخدمت السلطات الاستعمارية الوجهاء المحليين كوسطاء للسيطرة، ودمجت بين التقنيات البيروقراطية الحديثة وبين أنماط الطاعة التقليدية. النتيجة كانت تعزيز السلطوية عبر جهاز دولة قوي، لكن محمّل بثقافة الشيخ والمريد.
بعد الاستقلال، تبنّت الدول العربية هذه التركيبة: مؤسسات حديثة من الخارج، لكن ثقافة سياسية تقليدية من الداخل. هذا المزج جعل السلطوية تتجذّر في الوعي، وتظهر كامتداد طبيعي للتاريخ، لا كاستثناء طارئ.
السلطوية في العالم العربي: أنماط مشتركة
بالرغم من الفوارق بين الممالك والجمهوريات، وبين دول غنية وأخرى فقيرة، إلا أن قاسم السلطوية المشترك يتجلى في:
1. شخصنة السلطة: الحاكم يُصوَّر كأب أو شيخ أو زعيم ملهم، وتُختزل الدولة في شخصه.
2. ثقافة الطاعة: المؤسسات والقوانين تُفرغ من محتواها أمام الولاء الشخصي.
3. الشرعية الكاريزمية والدينية: سواء عبر النَسب الشريف، أو عبر خطاب الثورة، أو عبر الدين.
4. العنف الرمزي: إنتاج عجز معرفي ومفاهيمي لدى الناس، بحيث يبدون عاجزين عن صياغة بدائل فكرية أو سياسية.
هذه السمات نجدها في المغرب كما في مصر الناصرية، وفي سوريا البعثية كما في العراق الصدّامي، وفي الخليج حيث تمتزج السلطة الأبوية مع الريع النفطي.
الثقافة السلطوية وحدود التفسير
إن التركيز على الأسس الثقافية لا يعني إغفال العوامل الاقتصادية والسياسية. فالسلطوية العربية أيضاً مرتبطة بالريع النفطي، بالتحالفات الدولية، وبنُظم القمع الحديثة. لكن الجديد في منظور حمودي هو الإشارة إلى أن السلطوية تستند إلى “مخيال جماعي” يعيد إنتاجها باستمرار.
فإذا كان الاقتصاد يفسّر قدرة الدولة على البقاء، فإن الثقافة تفسّر قبول الناس بالسلطوية، بل وتماهيهم معها. وهذا ما يفسر لماذا لم تؤدِّ موجات الفقر أو الأزمات الاقتصادية بالضرورة إلى سقوط الأنظمة السلطوية، بل كثيراً ما عززت الحاجة إلى “الأب الحامي”.
إمكانات التحرر
يبقى السؤال: كيف يمكن كسر هذه البنية؟
الجواب يتطلب ما هو أبعد من إصلاح اقتصادي أو دستوري. المطلوب هو تفكيك البنية الرمزية التي تجعل الخضوع يبدو طبيعياً. أي العمل على بناء ثقافة سياسية بديلة، تُعيد الاعتبار للجدل، للتعدد، وللمسؤولية الفردية والجماعية.
لكن هذه مهمة معقّدة، لأن مواجهة السلطوية ليست فقط مواجهة مع الحاكم، بل مع ثقافة موروثة تجعل من الطاعة فضيلة، ومن المعارضة خطيئة.
خاتمة
السلطوية العربية، إذاً، ليست مجرد نتاج ظرفي أو خارجي، بل هي نتاج تاريخ طويل من التفاعل بين البنى الصوفية والسلطوية التقليدية والاستعمار والحداثة المشوّهة. علاقة الشيخ والمريد لم تعد مجرد ممارسة روحية، بل تحوّلت إلى نموذج اجتماعي شامل يفسر كيف يستمر الاستبداد، وكيف يقبله الناس، وأحياناً كيف يعيدون إنتاجه بأنفسهم.
إن كسر هذه الحلقة يتطلب وعياً بأن السلطوية ليست قدراً، بل بناء ثقافي يمكن إعادة صياغته، وأن تحرير السياسة في العالم العربي يمرّ عبر تحرير المخيال الاجتماعي من أسر الشيخ والمريد.
