إرادة الحياة: عندما ترفض الإرادة أن تنكسر

كتب باسم الموسوي:

أبوظبي – سكاي نيوز عربية
استبعد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم برَّاك التوصل إلى سلام في منطقة الشرق الأوسط، وأوضح براك أن الصراع الحالي في المنطقة ليس على الحدود ولكن على مبدأ الخضوع والهيمنة

في مشهد يجسد صراع الإرادات وتضارب الرؤى، يتجلى موقف وجودي لا مكان فيه للالتباس. ها هو صوت يعلو، مُحمّلاً بأوهام القوة الغاشمة، مُعتقداً أن الأمان يكمن في ظلّ هيمنة، مُردّداً: “أميركا هي الضمانة… ونحتاج السلام”. فيأتي الردّ من مبعوث تلك القوة نفسها، ليكشف القناع عن حقيقة الموقف بصراحة لا تخلو من وقاحة: “السلام وهم، والهدف هو الخضوع”. هذه اللحظة من الوضوح القسري هي لحظة فارقة، فهي لا تضع الأمور في نصابها فحسب، بل تختبر معادن الأمم وإرادات الشعوب.

فالحقيقة التي لا مراء فيها، والمعلنة في الردّ، هي أن ما يُطرح باسم “السلام” هو في حقيقته استسلام. إنه ليس سلاماً قائماً على العدل والكرامة والمساواة بين الأمم، بل هو هدنة مؤقتة يُفرض فيها إرادة القوي على الضعيف، ويُنتزع فيها حق الشعب في تقرير مصيره مقابل وعود زائفة بالأمان. إنه السلام الذي يُباع فيه الوطن والشرف، ويكون ثمنه الذلة والانبطاح. وهذا النوع من “السلام” هو indeed وهم، لكنه ويم خطير يريد أن يقتلع من قلوب الناس معنى الكرامة.

وهنا تبرز “الحقيقة الواضحة” التي تشكل صلب الهوية والوجود: “الخضوع ليس له مرادف في قاموسنا”. هذه العبارة ليست مجرد شعار عاطفي، بل هي دستور حياة، وعقيدة رفض متجذرة في أعماق التاريخ والوجدان. إنها القيمة التي تفصل بين أمة تؤمن بأن الحياة بدون حرية لا تستحق أن تُعاش، وأخرى ترهن كينونتها للبقاء على أيّة حال. صحيح أن واقع الحال يظهر وجود “كثير من المنبطحين” الذين قبلوا بأن يكونوا أدوات في مشروع الهيمنة، يروّجون لثقافة الاستسلام ويُحسنون تبريره، لكنهم يمثلون شذوذاً عن القاعدة الأصيلة، ومرضاً طارئاً على جسد الأمة، وليس جوهرها.

إن المقولة الختامية “نحن قوم نموت ولا نخضع، فمهما كانت كلفة المواجهة فهي أقل من كلفة الاستسلام وهيهات منا الذلة” تُلخص فلسفة المقاومة بأبلغ صورة. إنها معادلة وجودية تقيس فيها الأمم ذات الإرادة الحرة كُلف الخيارات. فكلفة المواجهة، وإن كانت باهظة من دماء وتضحيات ومآس، فهي محدودة زمنياً ومؤقتة، وتؤسس لمستقبل من العزة والحرية. أما كلفة الاستسلام، فهي دائمة ومستمرة، إنها موت بطيء للروح، وفناء للهوية، وعار يلحق بالأجيال القادمة. الموت في ساحة الشرف غايةٌ أسمى بكثير من حياة طويلة في قيود الذل.

وفي هذا السياق، يصبح “السلام” الحقيقي هو الثمرة الطبيعية للعزة والمنعة، وليس المنتج المزيف للخنوع والضعف. السلام لا يُمنح من قبل القوى العظمى كهدية، بل يُفرض من قبل الشعوب التي ترفض أن تُهان. هو السلام الذي يتحقق عندما يعترف الطغاة بأن إرادة الحياة في صدور الأحرار أقوى من كل ترساناتهم، عندما يفهمون أن “هيهات منا الذلة” ليست كلمات تُقال، بل هي دماء تُسفك، وإرادة تُنحت في صخور التاريخ.

خلاصة القول، إن الحوار المذكور ليس مجرد تبادل كلمات، بل هو تعبير عن صراع أبدي بين مشروعين: مشروع الهيمنة الذي يتخفى وراء شعارات السلام الزائف، ومشروع التحرر الذي يرفض المساومة على الكرامة. والأمة التي تتبنى عقيدة “نموت ولا نخضع” هي أمة تؤمن بأن قبرها أخير من بيت الذل، وأن شمس الحرية، وإن غربت لحظة، لا بد أن تشرق من جديد من بين جباه المقاومين.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com