
كتب العميد علي أبي رعد- خبير عسكري واستراتيجي
بعد قطيعة استمرت أكثر من 13 عامًا، عادت المناورات العسكرية المشتركة بين مصر وتركيا، في خطوة وُصفت بأنها مؤشر بارز على تبدّل المناخ السياسي والأمني في المنطقة.
هذه العودة لم تأتِ من فراغ، بل سبقتها اجتماعات ثنائية منذ عام 2021 رسمت خارطة طريق جديدة بين البلدين، تجاوزت معظم خلافات العقد الماضي.
من القطيعة إلى إعادة التفاهم
بدأت الأزمة بين القاهرة وأنقرة مع ثورة 30 يونيو في مصر عام 2013، حين اتخذت تركيا موقفًا معارضًا للنظام الجديد، واحتضنت جماعة الإخوان المسلمين، ما أدى إلى قطيعة سياسية ودبلوماسية كاملة.
لكن خلال العامين الأخيرين، أبدى الطرفان رغبة واضحة في استيعاب الخلافات وإعادة بناء جسور التفاهم، وهو ما مهد لعودة التعاون العسكري.
ملاحظات جمة لناحية التوقيت والمكان ورسائل تتجاوز حدود البحر من خلف ذلك فتوقيت المناورات ومكان إجرائها يعكسان حجم التحول في العلاقات.
فالمناورات، رغم أنها محدودة من حيث النطاق الجغرافي، تحمل دلالات انفتاحية كبيرة بعد سنوات من التوتر. وهي لا تستهدف دولًا بعينها، لكنها بلا شك ستثير قلق أطراف إقليمية عدة، خصوصًا مع ما يشهده شرق المتوسط من تنافس حاد.
وكذا الامر من ناحية تكتيكية واستراتجية فالعقيدة العسكرية البحرية للدولتين مختلفتان.
البحرية المصرية، صاحبة التاريخ الطويل منذ حرب الاستنزاف، تمتلك خبرات واسعة، فيما ترتبط البحرية التركية بمنظومة الناتو وتستفيد من خبراتها القتالية الحديثة.
ورغم اختلاف العقيدتين العسكريتين بين البلدين ـ الدفاعية سابقًا عند أنقرة مقابل العقيدة التوسعية الحديثة ( ـ فإن المناورات تهدف إلى اختبار دمج الأسلحة المختلفة والتدريب على العمل المشترك في حال الضرورة.
تقارب في مواجهة الخطر الإسرائيلي
يُجمع محللون على أن التمدد الإسرائيلي في المنطقة لعب دورًا أساسيًا في تقريب وجهات النظر بين القاهرة وأنقرة. فمحاولات إسرائيل نقل منظومات رادار وصواريخ دفاع بحري متطورة إلى جنوب قبرص، والتلويح بمشروع “إسرائيل الكبرى” الأمر الذي يمس الأمن القومي لكلا البلدين، شكّلت دافعًا لتنسيق مصري ـ تركي أوثق.
تدرك مصر أن ما يحدث في قبرص ليس تفصيلًا هامشيًا، بل تهديدًا استراتيجيًا، في وقت يتراجع فيه الدور الإيراني السياسي وتتصاعد فيه شهية التمدد الإسرائيلي.
توازنات دقيقة وتحالفات متشابكة
ورغم عودة التعاون مع تركيا، لن تتخلى القاهرة عن تحالفاتها القائمة مع قبرص واليونان وفرنسا، والتي شملت مناورات بحرية مشتركة ودعت إليها قطر أيضًا. بل على العكس، قد تحاول مصر لعب دور الوسيط في تخفيف التوتر بين أنقرة وهذه الدول. فالمصالح المصرية تقوم على إدارة التوازنات لا القطيعة.
التعاون العسكري لا يعني ذوبان الخلافات فالعديد من القضايا الشائكة ما زالت قائمة واغلبها ملفات حساسة مثل الوجود التركي في ليبيا، الاتفاقية البحرية مع حكومة طرابلس، والحضور التركي في البحر الأحمر، كلها امور تثير قلق القاهرة باعتبارها تمس مناطق حيوية في أمنها القومي. لذلك، من المبكر الحديث عن تحالف عسكري متكامل بين البلدين، رغم أن التنسيق في التصنيع العسكري بدأ يأخذ مكانه.
تحالفات جديدة واحتمالات مفتوحة
يبقى السؤال مطروحًا: هل يمكن أن يتطور هذا التعاون إلى تحالف أوسع يضم قوى إقليمية أخرى مثل السعودية وباكستان؟
يرى البعض أن الأمر سابق لأوانه، لكن المؤشرات تقول أن القلق المشترك من التجاوزات الإسرائيلية قد يدفع المنطقة نحو تحالفات أكثر انسجامًا، خصوصًا إذا استمرت الولايات المتحدة في تغطية مشاريع نتنياهو التي قد تضر حتى بمصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
في المحصلة، المناورات المصرية ـ التركية ليست مجرد تدريب عسكري، بل تعبير عن مرحلة جديدة من إعادة رسم الخرائط الاستراتيجية في شرق المتوسط. فالمنطقة مقبلة على خلط أوراق كبير في شرق المتوسط، حيث تتحرك مصر وتركيا وفق حسابات دقيقة لاحتواء التهديد الإسرائيلي، مع مراعاة التحالفات القديمة والجديدة على حد سواء.
يمكن الاستنتاج بأن عودة المناورات العسكرية بين مصر وتركيا لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد حدث عسكري تقني، بل هي انعكاس مباشر للتحولات العميقة في الإقليم. فالتقارب بين القاهرة وأنقرة يعكس إدراكًا متبادلًا بأن التحديات المقبلة تتجاوز الخلافات الثنائية القديمة، لتطال أمنهما القومي في مواجهة مشاريع توسعية إسرائيلية، وصراعات على الطاقة، وتوازنات دولية تتبدل بسرعة.
ومع أن الطريق لا يزال مليئًا بالعقبات والملفات الشائكة، إلا أن مجرد استئناف هذه المناورات بعد قطيعة طويلة يمثل رسالة واضحة: أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل تحالفاته وفق براغماتية جديدة، حيث قد تتبدل الاصطفافات وتتشابك المصالح، لكن الثابت الوحيد هو أن لا دولة تستطيع اليوم حماية مصالحها بمفردها.
