
يُشكّل الاعتراف الدولي بدولة فلسطين محطة أساسية في مسار النضال الوطني الفلسطيني، إذ لم يكن وليد اللحظة، بل ثمرة جهود سياسية ودبلوماسية متراكمة منذ إعلان الاستقلال في الجزائر عام 1988. ذلك الإعلان فتح الباب أمام أكثر من مئة دولة سارعت إلى الاعتراف بفلسطين، وصولاً إلى اعتراف 159 دولة من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة حتى أيلول 2025، في ما يعد إنجازاً غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
أهمية الاعترافات الأخيرة
تأتي الاعترافات الأخيرة من دول مثل بريطانيا، فرنسا، كندا وأستراليا لتكسر القاعدة، كونها دولاً لطالما عُرفت بتحالفها التقليدي مع إسرائيل. هذا التحول النوعي يعكس اتجاهاً دولياً جديداً، ويضع الولايات المتحدة في موقع العزلة بعدما ظهرت منفردة في رفضها الاعتراف بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة. كذلك، فإن هذه الاعترافات تُبطل عملياً شرعية مشاريع الضم والاستيطان في الضفة الغربية باعتبارها أراضي تابعة لدولة أخرى ذات سيادة.
لا يمكن فصل هذه التطورات عن الدم الفلسطيني المسفوك في غزة، والقمع الوحشي الذي مارسته حكومة نتنياهو، وما خلّفه من مشاهد مروعة أعادت إلى الواجهة عدالة القضية الفلسطينية. غير أن ما تحقق أيضاً هو حصيلة عمل دبلوماسي صبور قادته منظمة التحرير الفلسطينية، التي استطاعت بجهدها المستمر أن تفرض فلسطين كقضية عالمية عادلة.
الاعتراف ليس منّة
أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس منّة، بل هو حق مشروع يستند إلى قواعد القانون الدولي. إنه اعتراف بواقع سياسي وحقوقي ناضج، ويؤشر إلى أن العالم لم يعد يتعامل مع الفلسطينيين كجماعة بلا عنوان سياسي، بل كأمة تستحق أن تتمتع بكامل حقوقها السيادية.
الارتباك الإسرائيلي
أثارت هذه الاعترافات موجة من التوتر داخل إسرائيل، حيث تصاعدت التهديدات من وزراء في الحكومة اليمينية. وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير دعا إلى اعتقال الرئيس محمود عباس و”سحق السلطة الفلسطينية”، فيما لوّح بنيامين نتنياهو بداية بضم الضفة الغربية وحل السلطة، قبل أن يتراجع إلى تهديدات بإغلاق القنصلية الفرنسية في القدس وتوسيع الاستيطان. أما وزير الثقافة والرياضة فذهب إلى حد الدعوة لفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية.
حتى بعض الصحف الغربية المؤيدة لإسرائيل أقرت بأن الفلسطينيين حققوا انتصاراً سياسياً، إذ اعترفت أكثر من ثلاثة أرباع دول العالم بدولتهم، من دون أن يقدموا أي تنازل مسبق.
الأبعاد السياسية والقانونية
يرى خبراء القانون الدولي أن الاعتراف بفلسطين يبدّل قواعد اللعبة، إذ يضعها على قدم المساواة مع إسرائيل في المحافل الدولية. وتبرز أهميته في عدة نقاط:
1. تعزيز الشرعية الدولية لفلسطين، باعتبارها دولة معترفاً بها.
2. تكريس الحقوق الفلسطينية في السيادة وتقرير المصير.
3. تحويل التفاوض إلى مسار متكافئ بين دولتين.
4. زيادة الضغط الدولي على إسرائيل لإنهاء الاحتلال.
5. إسناد الوحدة الوطنية الفلسطينية بمشروعية دولية.
ما بعد الاعتراف
صحيح أن الاعتراف الدولي لا يوقف المعاناة اليومية للشعب الفلسطيني، لكنه يفتح أفقاً جديداً للنضال السياسي ويعمّق عزلة إسرائيل في المجتمع الدولي. وفي هذه اللحظة التاريخية، يحتاج الفلسطينيون إلى البناء على هذا الزخم، من أجل تحويله إلى خطوات عملية تفضي إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والكرامة لشعب ما زال يناضل منذ عقود من أجل حقه في الحياة على أرضه.