"الحرية" بين الفعل والإرادة: قراءة في عبارة شوبنهاور

كتبت جيهان زعتر:

“يمكنك أن تفعل ما تشاء، ولكن لا يمكنك أن تريد ما تشاء” – آرثر شوبنهاور

مدخل

منذ القدم شغل موضوع الحرية والإرادة عقول الفلاسفة والمفكرين. هل الإنسان حرّ فعلاً في اختياراته، أم أنّه أسير دوافعه الداخلية وظروفه الخارجية؟ من أبرز من عبّر عن هذه الإشكالية الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور من خلال عبارته الشهيرة التي تضع خطاً فاصلاً بين “حرية الفعل” و”حرية الإرادة”.

حرية الفعل

بحسب شوبنهاور، الإنسان يستطيع أن يفعل ما يشاء: أي أنّه حين تتولّد عنده رغبة ما، يمكنه أن يختار الوسيلة لتحقيقها. مثلاً: إذا أراد أن يشرب، يستطيع أن يقرر إن كان سيشرب ماءً، عصيراً أو قهوة. هذه المساحة تعكس نوعاً من الحرية العملية في التصرف.

محدودية الإرادة

لكن، ما لا يملكه الإنسان هو حرية تشكيل الإرادة نفسها. لماذا أحبّ شخص القهوة أكثر من الشاي؟ لماذا ينجذب آخر إلى الموسيقى بينما غيره إلى الرياضة؟ هذه الميول والرغبات العميقة ليست من اختيار الفرد الواعي، بل هي نتيجة لعوامل بيولوجية، نفسية، وتجارب حياتية خارجة عن سيطرته.

بين الجبر والاختيار

الفكرة هنا تضع الإنسان في موقع وسط:

هو ليس مسلوب الحرية بالكامل، لأنه يستطيع أن يتصرف ضمن ما تتيحه رغباته.

لكنه أيضاً ليس حراً مطلقاً، لأن الإرادة التي تحركه لم يخترها بنفسه.

انعكاسات على حياتنا

هذا التمييز يجعلنا أكثر تفهماً لذواتنا وللآخرين:

  • يساعدنا على تقبّل اختلاف الميول بين الناس.
  • يدعونا إلى الوعي بأن قراراتنا مشروطة بظروف أعمق منا.

وفي الوقت نفسه، يحفّزنا على استخدام هامش الحرية المتاح لنا بذكاء، لنوجّه أفعالنا نحو ما ينفعنا وينسجم مع قيمنا.

خاتمة

كلمات شوبنهاور تكشف لنا عن مفارقة أساسية في وجودنا: نحن أحرار في أفعالنا، لكننا غير أحرار في أن نريد ما نريد. إدراك هذه الحقيقة قد يكون خطوة نحو التواضع، نحو تقبّل ذواتنا، وربما نحو استعمال الحرية المتاحة لنا بأقصى قدر من المسؤولية.

أقرأ المزيد… “الحرية” بين الفعل والإرادة: قراءة في عبارة شوبنهاور

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com