السردية كسلاح: غزة والحرب الإدراكية

 

كتبت نورهان ديبان:

في كل مرة تُقصف فيها غزة، ينشغل العالم بصور الأنقاض والشهداء والمصابين. غير أنه، إلى جانب مشهد الدمار على الأرض، هناك حرب أخرى تخاض في غزة لا تقل شراسة عن الصواريخ المدمرة: هي الحرب الإدراكية التي تسعى فيها الأطراف إلى السيطرة على العقول قبل الميدان، وعلى الرواية قبل الخرائط. إنها معركة على الحقيقة، حيث تصبح الكلمات سلاحًا، والصورة جبهة، والإدراك ساحة لا تقل خطورة عن أي ساحة قتال.

يقدم عالما الاجتماع بيتر بيرغر وتوماس لوكمان في كتابهما (1966) The Social Construction of Reality إطاراً نظرياً يمكن من خلاله مقاربة هذه الظاهرة وفهمها، حيث يعتبران أن المجتمع والـ”واقع” يتم بناؤهما اجتماعيّاً من خلال تفاعلات البشر فيما بينهم. فالناس يخلقون المعاني ويعرضون رؤيتهم للواقع، التي بدورها تتحول إلى حقائق تبدو واقعية، ليتم تبنيها لاحقاً على أنها “الحقيقة”. يقسم بيرغر ولوكمان هذه الدورة إلى ثلاث مراحل أساسية: externalization, objectivation, and internalization.

Externalization: حين تصاغ السرديات

في المرحلة الأولى (externalization)، يتم صياغة السرديات حيث يقدم الإعلام، الناشطون، وحتى الأفراد على وسائل التواصل الاجتماعي تفسيرهم للأحداث، وغالباً ما تتنوع المقاربات وتختلف. فسردية العدو الإسرائيلي مثلاً تقدم الصراع على أنه “دفاع عن النفس بوجه الإرهاب” ويتم تكريس هذه الصورة من خلال البيانات العسكرية، المؤتمرات الصحفية، وتصريحات المسؤولين السياسيين. كما لمواقع التواصل الاجتماعي دور أساسي في رسم هذه الصورة حيث تعمل الhashtags مثل IsraelUnderAttack# وعبارات مثل “الحق في الدفاع عن النفس” على تصوير الكيان الإسرائيلي على أنه مُهدّد.

في المقابل، تقدم السردية الفلسطينية هذه الحرب على أنها “مقاومة بوجه الإحتلال والإبادة”. تُنشر صور الدمار والشهداء والمصابين وجرائم العدو على الإعلام ومنصات التواصل الإجتماعي فتتحول شعارات مثل FreePalestine وStopTheGenocide إلى رموز للنضال والهوية.
بإختصار، يتمحور الصراع في هذه المرحلة حول المعنى: من يتحكم بالسردية، يتحكم بنظرة العالم حول الحرب.

حين تتحول السرديات الى حقائق :Objectivation

تشير المرحلة الثانية الى العملية التي تتحول فيها هذه السرديات إلى حقائق إجتماعية موضوعية قائمة بذاتها، يعتقد الناس أنها تمثل الواقع كما هو، مما يجعل السيطرة على هذه “الحقائق الموضوعية” أداة قوية في تشكيل إدراك المجتمعات تجاه الصراعات والأحداث. يساهم التكرار والحملات الإعلامية بترسيخ هذه الموضوعية.

في سردية العدو الإسرائيلي، توصيف الفلسطينيين ك”إرهابيين” يتحول مع مرور الوقت والتكرار الى مسلّمة. أما في السردية الفلسطينية، فصور المستشفيات المدمرة وأجساد الشهداء والجرحى المدنيين العُزل تؤكد على أن سردية الإبادة حقيقة واضحة لا يمكن إنكارها.

ينتج عن ذلك روايتين، الأولى تصور غزة كمصدر تهديد أمني، والرواية الأخرى تقدمها كمنطقة يتعرض شعبها للإبادة والإحتلال.

Internalization: حين يتشكل الوعي والادراك

في المرحلة الثالثة والأخيرة، يتبنى الأفراد هذه الحقائق الموضوعية كجزء من إدراكهم ونظرتهم للعالم. مثلاً يتبنى الإسرائيليون سردية التهديد الوجودي حيث يتصورون أن الفلسطينيين في غزة يشكلون خطراً عليهم فيدعمون الهجمات العسكرية كجزء من الدفاع عن النفس. في المقابل، يتبنى الفلسطينيون سردية المقاومة ويعتبرون أنه من واجبهم الدفاع عن أرضهم وأنفسهم بوجه المحتل.

ما وراء السرديات

توضح تجربة الحرب الأخيرة في غزة أن الصراع لم يعد يقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل يمتد ليطال بنية الوعي الجماعي بذاته. فالنصر في الحرب الإدراكية لا يتطلب بالضرورة تفوقًا عسكريًا، بل يتحقق حين تنجح إحدى السرديات في فرض نفسها كحقيقة. إن الحرب الإدراكية بهذا المعنى ليست ساحة ثانوية، إنما فضاءً استراتيجيًّا طويل الأمد، يُعاد فيه إنتاج الواقع. في النهاية، الحرب على غزة ليست مجرد صراع على الميدان، بل هي أيضًا صراع على من يملك تعريف الواقع. وفي هذه المعركة، يصبح العقل البشري هو ساحة القتال الأعمق.

 

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com