
كتب باسم الموسوي:
لم يعد مفهوم الميريتوقراطية – أي حكم أو تفوّق الأجدر والأكثر كفاءة – مجرد مصطلح أكاديمي أو تنظير اجتماعي، بل تحوّل إلى إحدى الأيديولوجيات الأكثر حضوراً في عالمنا المعاصر. من وعود الحراك الاجتماعي إلى انتقادات الاستبداد الجديد، يتوزع الجدل حول هذه الفكرة التي ولدت كحلم عادل وانتهت في نظر كثيرين إلى فخ قاتل. سلسلة من الكتب الحديثة والقديمة تضع هذا الجدل تحت المجهر، مقدمةً مروحة واسعة من الرؤى: من الدفاع عنها إلى كشف أزماتها وفشلها.
من البدايات إلى الأزمة
عام 1958 صاغ عالم الاجتماع البريطاني مايكل يونغ مصطلح الميريتوقراطية في كتابه الساخر The Rise of the Meritocracy. لم يكن مدحه بل تحذيراً من مجتمع يقوم على الذكاء والاختبارات وحدها، حيث تتحول الجدارة إلى أداة قمعية تُقصي من لا يملكون الامتيازات منذ البداية. بعد عقود، جاء كتاب بيتر ماندلر The Crisis of the Meritocracy ليبيّن كيف تحولت بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية إلى مجتمع التعليم الجماهيري، لكن وعود المساواة عبر المدارس والجامعات اصطدمت بأزمة: لم يعد التعليم كافياً لضمان الحراك الاجتماعي .
دفاع عن الفكرة
في مواجهة النقاد، يقدّم أدريان وولدرج في كتابه The Aristocracy of Talent دفاعاً مطولاً عن الميريتوقراطية باعتبارها التي صنعت العالم الحديث. يتتبّع جذورها من أفلاطون والصين الإمبراطورية وصولاً إلى الديمقراطيات الغربية، مؤكداً أنّ استبدال الامتياز الوراثي بفرص قائمة على الكفاءة كان ثورة حقيقية. لكنه يعترف بأن الفكرة اليوم مهددة، ويطالب بإصلاحها لا برفضها .
نقد ثقافي واجتماعي
على الضفة الأخرى، تأتي جو ليتلر في كتابها Against Meritocracy لتكشف كيف تحولت الميريتوقراطية إلى أداة شرعنة للنيوليبرالية، تُعيد إنتاج اللامساواة بدلاً من معالجتها. عبر أمثلة من الثقافة الشعبية، من برامج تلفزيون الواقع إلى أسطورة “المامبرونور”، توضح ليتلر كيف تُسوَّق قصص النجاح الفردي لتغطية التفاوتات البنيوية .
أما لاني غينيير في The Tyranny of the Meritocracy فتركّز على التعليم العالي الأميركي، منتقدةً هيمنة الامتحانات المعيارية مثل SAT التي تكرّس التفوق الوراثي والطبقي، وتقترح بديلاً يقوم على “الجدارة الديمقراطية” حيث تُقدَّر روح التعاون والعمل الجماعي .
الفخ الأميركي
في الولايات المتحدة، اشتد النقد مع صدور The Meritocracy Trap لـ دانيال ماركوفيتس، الذي يصف النظام برمته بأنه فخ قاتل: فهو يُنهك النخبة نفسها بسباق لا ينتهي لإثبات التفوق، ويقصي الطبقة الوسطى من أي فرصة واقعية، مما يعمّق الانقسام الاجتماعي .
الأمر نفسه يشرحه كريستوفر هايز في Twilight of the Elites، حيث يرى أن نخب الجدارة الأميركية فشلت في منع الانهيارات الكبرى، من أزمة وول ستريت إلى حرب العراق، بل ساهمت في صنعها .
الميريتوقراطية خارج الغرب
لا يقتصر النقاش على العالم الغربي. ففي مصر، يروي هاري بيتيت في The Labor of Hope كيف يعيش الشباب وعود الميريتوقراطية عبر التعليم والعمل والهجرة، لكنهم يصطدمون بالهشاشة والبطالة، ليصبح “الأمل” نفسه أداة لإعادة إنتاج النظام .
أما نيكولاس كويبرز في States against Nations فيُظهر أن نظم التوظيف القائمة على الامتحانات قد تضر ببناء الأمة إذا عززت التفاوتات العرقية أو الطائفية، كما في بعض دول آسيا .
الميريتوقراطية والسياسة
يطرح كتاب Political Meritocracy and Populism لكل من مارك شو وبنجامين موفيت وأوكتافيا براينت سؤالاً معاصراً: لماذا لم تهز موجة الشعبوية دولاً مثل الصين وسنغافورة كما هزّت الديمقراطيات الغربية؟ الجواب، بحسبهم، أن الميريتوقراطية السياسية قد تمنح استقراراً بفضل اختيار قادة “جديرين”، لكنها في الوقت نفسه تكرّس هرمية جديدة تولّد بذور السخط الشعبوي .
ما بين الوعد والفخ
هذه الكتب مجتمعة تكشف المفارقة الكبرى: الميريتوقراطية وُلدت كأمل ديمقراطي لتحطيم الامتياز الوراثي، لكنها اليوم تُتَّهم بأنها أفرزت طبقة جديدة من “الأرستقراطية” لا تقل إقصاءً عن الأرستقراطيات القديمة. البعض يدعو إلى إنقاذها عبر إصلاحات تُوسع مفهوم الجدارة ليشمل التعاون والعدالة الاجتماعية، فيما يرى آخرون أن الفكرة نفسها تحولت إلى أيديولوجيا زائفة يجب تجاوزها.
خاتمة
من بريطانيا ما بعد الحرب إلى مصر اليوم، ومن الصين إلى الولايات المتحدة، يتضح أن سؤال الميريتوقراطية لم يعد أكاديمياً. إنه سؤال سياسي واجتماعي يمس حياتنا اليومية: هل ما زال التفوق الفردي طريقاً إلى العدالة، أم أنه صار غطاءً جديداً للامساواة؟
