قرار مجلس الأمن حول فلسطين: بين الاعتراف بالحقوق وتعطيل العدالة في ظل التصعيد الإقليمي الجديد

كتبت رانيا كامل يونس/ باحثة في الشؤون الجيوسياسية

في لحظة فارقة من تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، يقف مجلس الأمن الدولي أمام اختبار صعب: هل يكتفي بتكرار بيانات الإدانة والمطالبة بوقف النار، أم ينجح هذه المرة في صياغة قرار ملزم يضع حدًا للتصعيد الذي خرج من حدود فلسطين ليهدد استقرار المنطقة بأسرها؟

منذ اندلاع الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحركة حماس في تشرين الأول/أكتوبر 2023، تعالت الأصوات الدولية لوقف العنف وحماية المدنيين وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. لكن غارات العدو الإسرائيلي الأخيرة على غزة ولبنان، وخصوصًا استهدافها للدوحة في 9 أيلول/سبتمبر 2025، نقلت النزاع إلى مستوى إقليمي غير مسبوق.
الضربة التي أسفرت عن سقوط شهداء بينهم ضابط أمن قطري، فجّرت أزمة دبلوماسية واسعة، وأعقبتها قمة عربية-إسلامية طارئة أدانت الانتهاك وطالبت برد جماعي يحمي سيادة الدول ويمنع تكرار الاعتداءات.

في المقابل، برّر رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الغارة على قطر بأنها “رد على الإرهاب”، مهددًا الدول التي تستضيف قيادات حماس بـ”عواقب”، في وقت واصل فيه الكيان تصعيده ضد غزة ووسّع هجماته إلى جنوب لبنان بذريعة “مواجهة تهديدات من حزب الله”.

الجوانب السياسية

الإيجابيات

1. تأكيد الشرعية الدولية والضغط المتزايد: تكرّس القرارات الأممية الاعتراف بحقوق الفلسطينيين وتزيد من وتيرة الضغط على كيان الاحتلال مع تزايد التصعيد، على الرغم من أن الكيان لا يعترف بالقرارات الدولية والأممية التي لا تأتي حسب أهوائه، ويعتبرها مجرد كلام لا يستحق الحبر الذي كتب به.

2. الصراع على السيادة كمحور أساسي: الاعتداء على قطر نقل النقاش من حدود فلسطين إلى صميم النظام الدولي وسيادة الدول.

3. مواجهة الانتهاكات العابرة للحدود: التوسّع الإسرائيلي في العمليات دون مراعاة سيادة دول المنطقة يفتح الباب أمام قرارات أممية أكثر شمولًا تتناول الاعتداءات على دول أخرى.

4. إمكانية تعزيز التضامن العربي والإسلامي: القمة الأخيرة قد تشكل قاعدة لتنسيق جماعي سياسي ودبلوماسي لدعم القرارات الأممية واللجوء إلى آليات قضائية.

 

السلبيات

1. من منظور الكيان الإسرائيلي الأمني: ترى تل أبيب أن أي قرار لا يُقيّد حركة حماس تهديد لأمنها، ما يبرر – وفق روايتها الواهية– استهداف دول وسيطة.

2. انقسام الموقف الدولي: الولايات المتحدة الأميركية تواجه مأزقًا بين دعم حليفها الإسرائيلي والالتزام بالقانون الدولي، أو دعم المواقف الدولية التي قد تعطي الفلسطينيين فرصة صغيرة للتنفس، حيث برزت الخلافات في آلية معالجة ما يحصل داخل أروقة الولايات المتحدة.

3. خطر تحوّل النزاع إقليميًا: استهداف دولة مثل قطر يهدد بتوسيع رقعة المواجهة إلى الخليج ولبنان.

4. ضعف آليات التنفيذ: غياب الضغط العملي والفعلي على كيان الاحتلال يجعل القرارات عرضة لأن تبقى حبراً على ورق.

 

الأبعاد العسكرية والأمنية

الإيجابيات

1. فرصة لوقف التصعيد عبر ضغط دولي موحد:
على أن تتصمن القرارات إدانات واضحة للاعتداء على قطر، وطلب حماية للمدنيين ووقف الضربات، ما قد يسهل فرض وقف لإطلاق النار مؤقت أو دائم، يُعطي فرصة لتهدئة الموقف وتجميد العمليات العسكرية من كلا الجانبين.

2. حماية الدول والمدنيين من الهجمات العابرة للحدود
أثبتت العقود الأخيرة أن المدنيين في دول مثل فلسطين ولبنان هم المتضررون الأساسيون من العمليات العسكرية للعدو الإسرائيلي. إدانة مجلس الأمن مثل هذه الهجمات قد يُعزّز – بشكل أو بآخر- سبل الحماية الدولية للمدنيين والأراضي السيادية، رغم أن الكيان الإسرائيلي لم يعد يعطي أي اعتبار لقرارات ومواثيق مجلس الأمن.

3. إعادة التوازن الأمني في المنطقة
عندما تُدين السلطة الدولية الاعتداءات، يزيد ذلك من كلفة أي هجوم عابر للحدود على الكيان الصهيوني؛ الأمر الذي قد يجبره على إعادة تقييم استراتيجياته الأمنية وتحجيم العمليات التي تلتهب المنطقة.

 

السلبيات والتحديات

1. الردود العسكرية غير المتكافئة والتوسع بالإجراءات
قد تستخدم حكومة الكيان الإسرائيلي هذه التطورات ذريعة لتوسعة هجماتها، مبرّرة بأنها تواجه تهديدات مستمرة من غزة أو من جنوب لبنان، الأمر الذي قد يدفع إلى مزيد من التصعيد.

2. اعتبارات السيادة والرد من الدول المتضرّرة
-قطر مثلاً – التي اعتدي عليها ولا زالت التهديدات قائمة من قبل نتنياهو بالقيام بعمل عسكري ضدها إذا لم تطرد قيادات حماس. مثل هذه التصريحات تُغذي التوتر وقد تؤدي إلى مواجهة دبلوماسية، أو حتى عسكرية – لو أنه احتمال يبقى ضئيلاً في إمكانية التنفيذ- إذا ما شعرت الدولة القطرية بأنها مُستهدفة أو معزولة.

3. إمكانية ردّ فعل فصائلي أو غير نظامي:
حركات المقاومة في غزة أو لبنان قد ترد بعمليات ردعية لمقاومة الاعتداءات المتكررة، مما يعقّد قدرة مجلس الأمن على ضمان التزام الأطراف بالقرارات، خصوصًا في غياب آليات مراقبة فعّالة.

4. تصاعد المعاناة الإنسانية
كلما توسّع نطاق القصف أو العمليات الصهيونية، خاصة في غزة، زاد تفاقم الأزمات الإنسانية؛ نقص الأدوية، المياه، الكهرباء، نزوح داخلي واسع، نسبة عالية من الضحايا المدنيين. حتى قرارات السلام أو الضغوط الدولية، إن لم تُترجَم فورًا إلى حماية ميدانية، لا تكفي لوقف التدهور.

الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية

دمار واسع للبنية التحتية الفلسطينية، وتأجيل طويل لعمليات إعادة الإعمار.

قلق اقتصادي إقليمي بعد استهداف قطر، يضعف الثقة بالمنطقة كمركز استثماري.

صدمات نفسية قاسية يعيشها سكان غزة مع انعدام أبسط مقومات الحياة.

 

ما الذي يجب أن يتضمنه القرار الأممي؟

1. إدانة صريحة للاعتداءات العابرة للحدود، بما في ذلك استهداف قطر.

2. نص ملزم قانونيًا بوقف الاعتداءات، مع آليات تنفيذ ومراقبة دولية.

3. ربط أي وقف لإطلاق النار بوقف الهجمات ضد الدول الوسيطة.

4. فرض ضغوط دبلوماسية واقتصادية متوازنة تشمل عقوبات وملاحقات قضائية.

5. حماية دور الدول الوسيطة كقطر وإشراك الفصائل الفلسطينية في العملية السياسية.

6. إطلاق عملية عاجلة للتعويض وإعادة الإعمار بشفافية ورقابة دولية.

خلاصة

لم يعد الصراع محصورًا في غزة والضفة، بل تحوّل إلى معركة إقليمية تمس جوهر النظام الدولي القائم على سيادة الدول.
مجلس الأمن اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يظل أسير الفيتو الأميركي واللغة الدبلوماسية الإنشائية، أو أن يتحرك نحو قرارات ملزمة توقف العدوان وتحمي المدنيين وتعيد فتح أفق سياسي للوصول إلى صيغة ملزمة لوقف العدوان الغاشم.

وبعد قمة الدوحة وما أثارته من تضامن عربي ـ إسلامي، يتضح أن الفرصة قائمة لبناء ضغط جماعي يترجم النصوص الأممية إلى واقع ملموس. فإما أن تُكتب لمجلس الأمن صفحة جديدة من الفعل، أو تبقى قراراته مجرّد أوراق تُضاف إلى أرشيف طويل من عجز العدالة الدولية.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com