
كتب باسم الموسوي:
حين نتأمل مسار الحركة الصهيونية منذ نشأتها، يتضح أن فكرة «إسرائيل الكبرى» لم تكن شعاراً عابراً ولا وهماً دينياً محضاً. إنها مشروع طويل الأمد، انطلق من رحم الأساطير التوراتية عن «الأرض الموعودة»، ثم أعيد تأويله في زمن الاستعمار ليصبح خطة سياسية توسعية. ما كان في الكتب المقدسة مجرد وعد إلهي، تحوّل مع وعد بلفور عام 1917 إلى سياسة استعمارية مدعومة من الإمبراطوريات الكبرى، ليتكرّس لاحقاً في حروب 1948 و1967 و1982 كاستراتيجية عملية للسيطرة على الأرض والسكان.
من اللاهوت إلى الجيوبوليتيك
الخطورة أن «إسرائيل الكبرى» ليست مجرد خرافة عتيقة. النص الديني أُعيد إنتاجه في خطاب سياسي، ثم تحوّل إلى سياسة أمر واقع: استيطان، ضمّ، تهجير، وتحكم بالموارد. فالسيطرة على المياه والغاز والممرات البحرية ليست صدفة، بل جزء من رؤية أوسع ترى في «أرض إسرائيل» مشروعاً مفتوحاً على التوسع. هذا ما تُسميه بعض الدراسات «الاستعمار المقدس»: تغليف السيطرة المادية بغطاء لاهوتي يحصّنها من النقد.
أساليب التوسع الجديدة
اليوم، لم يعد التوسع بحاجة إلى الدبابات وحدها. هناك «الصهيونية الغازية» عبر شراكات الطاقة في شرق المتوسط، و«عقيدة المحيط» التي تعيد إنتاج تحالفات مع أطراف غير عربية، وأهم من ذلك: التطبيع. التطبيع هنا ليس مجرد اعتراف دبلوماسي، بل رافعة استراتيجية لدمج إسرائيل في النسيج الاقتصادي والثقافي للمنطقة. بكلمات أخرى، إذا كان الاحتلال المباشر مكلفاً، فإن الاحتلال الناعم عبر الاقتصاد والثقافة أكثر فعالية وأقل ضجيجاً.
التطبيع كوجه آخر لـ«إسرائيل الكبرى»
حين نسمع عن اتفاقيات أبراهام أو مساعي دمج إسرائيل في المنظومة الإقليمية، علينا أن نقرأ ذلك في سياق «إسرائيل الكبرى». لم يعد الهدف مجرد السيطرة على الضفة أو الجولان، بل إعادة تشكيل الإقليم بحيث تصبح إسرائيل مركزه السياسي والاقتصادي. «إسرائيل الكبرى» هنا ليست عبر الحدود الجغرافية بل عبر الحدود الرمزية: النفوذ، التجارة، الإعلام، والتكنولوجيا.
المقاومة والمعادلة المعاكسة
لكن ما يغيب عن كثير من التحليلات أن هذا المشروع، رغم قوته، ليس قدراً محتوماً. المقاومة، فلسطينياً ولبنانياً، شكّلت على مدى عقود فرملة جدّية لمشروع التوسع. الانتصارات الجزئية، من إخراج الاحتلال من جنوب لبنان عام 2000 إلى صمود غزة، تقول بوضوح: «إسرائيل الكبرى» ليست مشروعاً ناجزاً بل مشروع هشّ، قابل للانكفاء إذا ما وُوجه بإرادة سياسية صلبة.
الخلاصة
الخطر الأكبر ليس في النصوص التوراتية ولا في أحلام اليمين الإسرائيلي، بل في الاستعداد العربي لمنح هذه الأحلام شرعية جديدة عبر التطبيع. فبينما يستمر الفلسطينيون في الكفاح من أجل حقهم الطبيعي في تقرير المصير، تسعى أنظمة عربية إلى تحويل «إسرائيل الكبرى» من مشروع توسعي إلى واقع إقليمي متقبَّل. وهنا جوهر المعركة: هل تصبح إسرائيل مركز المنطقة حقاً، أم يبقى المشروع حلماً صهيونياً يتهشم على صخرة المقاومة ووعي الشعوب؟
