
كتب باسم الموسوي:
القسوة ليست انحرافاً عابراً، بل إمكانية كامنة في الاجتماع البشري. تبدأ بخطاب استهزاء أو نظرة دونية، وقد تنتهي بجرائم جماعية تهدد وجود جماعات بأكملها. هذا هو جوهر أطروحة كاثلين تايلور في كتابها Cruelty: Human Evil and the Human Brain، حيث تصف القسوة كبنية متصلة تبدأ بالتنمّر وتنتهي بالإبادة، عبر عملية متدرجة تسمى “جعل الآخر غيراً” (otherization الغيرنة).
هذا المقال يحاول تفكيك هذه العملية علمياً وسياسياً وثقافياً، مع مقارنات من السياق اللبناني والفلسطيني والعربي الأوسع، لتوضيح كيف يمكن أن تنحدر المجتمعات من مضايقات يومية إلى ممارسات تدميرية جماعية.
أولاً: القسوة كبنية متصلة
وفق تايلور، ليس هناك “جدار” فاصل بين التنمّر المدرسي والإبادة الجماعية، بل سلسلة درجات على سلم واحد. الفرق بين الصحفي الذي يشيطن خصماً سياسياً عبر الإعلام، والجندي الذي يطلق النار على مدنيين من جماعة مُستهدفة، هو فرق في الدرجة لا في النوع. هذه الرؤية تحطّم الاعتقاد الشائع أن القسوة الكبرى حكر على “الوحوش” أو “المجانين”. في الحقيقة، غالبية مرتكبي المجازر أناس “عاديون” استُدرجوا عبر سياقات اجتماعية وسياسية وإعلامية لتجاوز العتبة الأخلاقية.
ثانياً: آلية “جعل الآخر غيراً”
عملية “الغيرنة” تقوم على ثلاث خطوات رئيسية:
1. التصنيف: تقسيم المجتمع إلى “نحن” و”هم”.
2. التنميط السلبي: نشر صور نمطية أو شائعات تقلل من قيمة الآخر.
3. التجريد من الإنسانية: تصوير الآخر كحيوان، أو وباء، أو عدو مطلق.
في لبنان، شهدنا خطاباً من هذا النوع في الحرب الأهلية، حيث صُوّرت الطوائف الأخرى كـ”غرباء” أو “عملاء” لتبرير العنف ضدها. وفي فلسطين، استُخدمت مفردات مثل “الصراصير” و”الحيوانات البشرية” في خطابات بعض الساسة الإسرائيليين لتبرير قتل المدنيين وقصف الأحياء السكنية. هذه اللغة ليست بريئة، بل هي وقود يحرّك ماكينة القسوة الجماعية.
ثالثاً: من التنمّر إلى العنف المنظم
التنمّر في المدرسة أو في مكان العمل هو المختبر الأول لآليات “الغيرنة”. حين يسخر طالب من لهجة زميله القادم من منطقة مختلفة، فإنه يتعلم أن تعزيز الهوية ممكن عبر إضعاف الآخر. وحين يشارك الصف في الضحك، يتطبع الدماغ على قبول الإقصاء.
لكن الخطر يتضاعف حين تنتقل هذه الممارسات من المستوى الفردي إلى الإعلام والسياسة. فالنكات التي تُطلق على “أبناء الضاحية” أو “الفلسطينيين” أو “السوريين” في لبنان ليست مجرد فُكاهة، بل قد تتحول إلى خطاب عام يبرر سياسات تمييزية أو حتى عنف مباشر. المثال الأوضح هو معاملة اللاجئين الفلسطينيين تاريخياً كغرباء لا يستحقون حقوق العمل والملكية، وهو ما شكّل قاعدة نفسية واجتماعية سمحت لاحقاً بمجازر مثل صبرا وشاتيلا (1982)، حيث لم يُنظر إلى الضحايا كأبرياء بل كـ”أغيار” يمكن التخلص منهم بلا محاسبة.
رابعاً: الدور السياسي والإعلامي
السياسة تعطي للتنمّر الفردي أبعاداً مميتة. في رواندا، سمّى راديو الهوتو التوتسي “صراصير” تمهيداً لإبادتهم. وفي لبنان، كانت إذاعات الحرب الأهلية تصف خصومها بـ”الغرباء” و”الجراثيم”، ما مهّد الطريق للمجازر الطائفية. وفي فلسطين، لا تزال آلة الدعاية الإسرائيلية تبرر قصف المدنيين بالقول إنهم “دروع بشرية”، أي تحويلهم من ضحايا إلى متواطئين يستحقون الموت.
الإعلام، هنا، يضاعف أثر “الغيرنة” لأنه يكرّس الصور النمطية بشكل يومي، فيصبح قتل الآخر أو قمعه استجابة طبيعية عند الجمهور.
خامساً: البعد الثقافي والاجتماعي
ثقافياً، قد يساهم الأدب والفن في تكريس حدود “نحن” و”هم”. قصص الحرب اللبنانية مثلاً غالباً ما تروي البطولة من زاوية طائفة واحدة، بينما تُمحى معاناة الطوائف الأخرى. في فلسطين، السينما الإسرائيلية نادراً ما تُظهر الفلسطيني كإنسان كامل، بل غالباً كإرهابي أو تهديد أمني.
اجتماعياً، تلعب ديناميات الجماعة دوراً محورياً: الفرد قد يشارك في قسوة جماعية لأنه يخشى النبذ، أو لأنه يحصل على مكافآت رمزية (اعتراف، حماية، شعور بالانتماء). بهذا المعنى، التنمّر الجماعي على “الغريب” في مدرسة لبنانية أو منطقة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو نسخة مصغّرة عن آلية تطهير جماعي أكبر.
سادساً: البعد العلمي والعصبي
علم الأعصاب يُظهر أن الدماغ يستجيب بقوة لعمليات التصنيف بين “نحن” و”هم”. عند مشاهدة معاناة شخص من “جماعتنا”، تنشط مناطق التعاطف في الدماغ. أما عند مشاهدة معاناة شخص من جماعة “مُعادية”، فتضعف هذه الاستجابات.
هذه الحقيقة تفسر كيف يمكن لجندي أن يقتل طفلاً فلسطينياً أو سورياً دون أن يشعر بذات الصدمة العصبية التي كان سيشعر بها لو كان الطفل من جماعته. الدعاية السياسية تعيد برمجة الدماغ بحيث تصبح مشاهد الألم مألوفة وغير مستفزة. إنها عملية تطبيع عصبي للقسوة.
سابعاً: الوقاية والمقاومة
الوقاية تبدأ من نقطة البداية: مكافحة التنمّر وخطاب الكراهية.
• في المدارس اللبنانية، يجب إدماج مناهج تعلم الأطفال احترام التنوع بدل السخرية منه.
• في الإعلام، ينبغي محاسبة الأصوات التي تروّج للعنصرية ضدّ الغير الشريك في الوطني.
• في السياسة، لا بد من مؤسسات تضمن الحقوق المتساوية لجميع المواطنين والمقيمين.
• ثقافياً، المطلوب إنتاج روايات وأفلام تعيد الاعتبار لإنسانية “الغير”، كما فعلت بعض الأعمال الفلسطينية التي أعادت سرد المجازر من منظور الضحايا.
الوقاية ليست مجرد خيار تربوي، بل مسألة حياة أو موت. لأن الفشل في مواجهة التنمّر اليوم قد يعني مواجهة مجزرة غداً.
خاتمة
المسار من التنمّر إلى الإبادة ليس خيالاً بل حقيقة تاريخية. ما حصل في أوروبا النازية، وفي رواندا، وفي لبنان، وفي فلسطين، يثبت أن آليات “الغيرنة” قادرة على تحويل كلمات جارحة إلى مذابح بشرية.
تذكّرنا كاثلين تايلور أن القسوة ليست حكراً على “الآخرين”، بل إمكانية في كل مجتمع. الاعتراف بهذا هو الشرط الأول لمقاومتها. في لبنان وفلسطين وسائر المنطقة، مقاومة خطاب الكراهية اليوم هي الضمانة الوحيدة ألا نرى غداً فصولاً جديدة من التاريخ الأسود.
في لبنان يطرح البعض فكرة سنّ قانون لمكافحة التنمّر، لكن سرعان ما يرتاب كثيرون في جدواه، إذ يدركون أن أي نصّ قانوني في ظلّ واقع منقسم ومؤسسات متصدّعة سيقع فريسة الاستنسابية والانحياز، فيتحوّل من أداة حماية إلى أداة فرز جديدة تُعمّق الانقسام بدل أن تداويه. فالتنمّر، في جذوره، ليس مجرّد سلوك فردي قابل للردع الجزائي، بل هو انعكاس لأزمة ثقافية واجتماعية أوسع، تتغذّى من الخطاب الطائفي والسياسي اليومي. ومن هنا، فإن المواجهة الأجدى لا تكون بإضافة نصوص إلى مدوّنة القوانين، بل ببناء مناخ وطني جامع، يقوم على الوفاق والتسامي الثقافي والاجتماعي، ويعيد الاعتبار إلى قيم الاحترام المتبادل والعيش المشترك. فالقانون وحده، من دون مصالحة ثقافية وحضارية، لن يكون سوى مرآة لعجزنا عن معالجة أصل الداء.
