بقلم الدكتور أسامة توفيق مشيمش:

“كلكم عيال الله، وأقربكم إلى الله أنفعكم لعياله.”

هكذا نطق بها رسول الرحمة، فخاطب جوهر الدين وأسس العبادة، ليرسم لنا طريقًا واضحًا نحو الله، لا يُختصر في الطقوس، بل في خدمة الإنسان، كل إنسان.

في ظل واقعٍ مأزوم ومجتمعٍ ينزف من كلّ جهة، حيث لا كهرباء تُضيء البيوت، ولا دواء يُطمئن القلوب، ولا ليرة تحفظ الكرامة، يعود بنا الحديث النبوي الشريف إلى جوهر الحقيقة: أن أفضل العبادات ليست في تعداد الركعات، بل في مدى ما نقدمه للناس من خير. فخدمة الناس ليست ترفًا أخلاقيًا، بل هي صلب الدين ولبّه، ومحراب التقوى الحقيقي.

نحن في لبنان، نعيش اليوم ما يمكن وصفه بانهيار شامل لبنية الدولة، وللقيم الأخلاقية أيضًا. انهيارٌ لم يعُد يهدد لقمة العيش فحسب، بل يهدد الإنسان نفسه، بكرامته، بحقه في الحياة، بحلمه البسيط في غدٍ أقل سوءًا.
في خضم هذا المشهد الكارثي، تغدو الكلمات النبوية أكثر من وعظ؛ إنها خريطة طريق للنجاة الفردية والجماعية: “أنفعكم لعياله”.

الحرية الحقيقية: أن تتخلى عن ذاتك من أجل الآخر

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مناجاته الشهيرة، عبّر عن فهمٍ عميق للعبادة بقوله:

> “ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، ولكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك.”

 

هنا تتجلّى قمة الحرية الروحية. فالحر لا يعبد الله بدافع الخوف أو الطمع، بل بدافع الحب والمعرفة. وهكذا أيضًا يكون الإنسان حرًا حين يُعين أخاه الإنسان لا طلبًا لثواب، ولا هربًا من عذاب، بل لأن الإنسان، ببساطة، يستحق أن يُخدم، ويُكرم، ويُحمى.

الفلاسفة الأخلاقيون في الغرب، من أمثال “كانط”، ذهبوا في الاتجاه ذاته حين قالوا إن الفعل الأخلاقي يجب أن يكون نزيهًا عن المصلحة، قائمًا على الواجب تجاه الإنسان. وهي ذاتها الروح التي يحملها الحديث النبوي حين يجعل “النفع للناس” معيارًا للتقوى والقرب من الله.

ماذا يعني “أنفعكم لعياله” في لبنان اليوم؟

يعني أن تعين جارك في دفع فاتورة كهرباء لم يعد يحتملها راتب موظف دولة.
يعني أن توصل حبة دواء لمريض لا يجد ثمن المواصلات إلى المستشفى.
يعني أن تفتح قلبك قبل محفظتك، وتستعيد إنسانيتك من براثن الطائفية واللامبالاة واللامعنى.

في ظل دولة غائبة، وسلطة سياسية أثبتت إفلاسها الأخلاقي قبل المالي، تقع المسؤولية الأخلاقية على الناس أنفسهم، على مؤسسات المجتمع المدني، على كل من لا يزال يحتفظ بضمير حي.
أن تكون “أنفع لعيال الله” اليوم، هو أن ترفض أن تكون مجرد رقم آخر في قائمة العاجزين، أو مشاهدًا صامتًا لانهيار ما تبقّى من وطن.

العبادة ليست طقوسًا فقط

نحن بحاجة اليوم لإعادة تعريف “التدين” و”العبادة”.
هل المتدين هو من يطيل السجود؟ أم من يطيل البقاء بجانب فقير حتى لا يسقط من الجوع؟
هل العابد هو من يصوم عن الطعام؟ أم من يكسر خبزه مع جائع لا يعرفه؟
العبادة التي لا تُترجم إلى سلوك نافع للناس، هي عبادة منقوصة، مفرغة من بعدها الإنساني، وإن زخرفت بالآيات والدعوات.

في زمن الانهيار… لا نجاتنا فردية

الحرية الروحية، بحسب الإمام علي، تعني التحرر من الذات، ومن الخوف، ومن الطمع. لكنها، في الواقع اللبناني، تعني أيضًا التحرر من الفردانية التي فرضها الانهيار.
نحن اليوم في حاجة إلى بناء شبكات تضامن حقيقية، تتجاوز الانتماءات، والطوائف، والمناطق.
فالانهيار لا يُفرق بين مسلم ومسيحي، بين شيعي وسني، بين جبل وساحل. والجوع لا يسأل عن الهوية، بل ينهش من يُسكت عنه الجميع.

في الختام، لعلّ أجمل ما يمكن أن نختم به، هو سؤال بسيط:
هل نعبد الله حقًا، إذا لم نخدم خلقه؟
وهل نُقيم الصلاة، إن لم نقم العدل في حياتنا اليومية؟
العبادة الحقّة لا تعيش في المساجد فقط، بل في الأسواق، والمستشفيات، والمدارس، والبيوت التي تهدمها الأزمة يومًا بعد يوم.

وإن كنا حقًا نريد التقرب إلى الله، فلننظر حولنا… عياله كثر، واحتياجاتهم صارت عبادة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com