
كتب ناضر كسبار:
نقيب المحامين السابق في بيروت
تمر في تاريخ الشعوب والامم، شخصيات فذة في المواقع السياسية والدينية والادارية والقانونية والنقابية والمهنية والعمالية وغيرها. وقد يتبلور نجاحها ورفعتها من خلال مركز او منصب او من دونهما.
النائب والوزير المحامي حسن الرفاعي، كان واحداً من تلك الشخصيات التي عشنا انجازاتها، والتي سوف تبقى محفورة بأحرف من ذهب في ذاكرة التاريخ.
علم وصدق وهدوء. ذهن متوقد، فصاحة في النطق. ثبات جأش ونزاهة نفس. كان العارف والعالم. كان موسوعة، بل مكتبة، بل خزانة معلومات، بل اكاديمية. لا بل كان متحفاً للعلم والاخلاق والفقه في دماغ رجل. كان متواضعاً في مسالك المعرفة، وهي وداعة العالم الذي لا يتبجح ولا يتكبر. يلجأ اليه كل طالب معرفة، وكل من أعيته الحجة في دعوى او قضية او مسألة شائكة. ولم يكن يبخل عليهم بالاجوبة الشافية.
امضى معظم وقته بين الكتب، وخصوصاً القانونية. يقرأها، يفتش بين السطور عن آراء مهمة في الفقه وفي اجتهادات المحاكم، حتى طبعت بصمات اصابعه على صفحاتها. لا يعرف الراحة. بل يتعب اذا استراح. يجالس كبار رجال القانون ويتناقش معهم في مسائل قانونية. فهو يتنفس هواء اسمه القانون.
سمته الوضوح، سواء خلال المناقشة او في الكتابة. في دعوى اتعاب عرضت على مجلس النقابة وكلفني النقيب بطرس ضومط بدراستها لعرضها على المجلس وتقدير الاتعاب. قرأت لوائح خصمه فلم افهم الا القليل منها. قرأت لوائحه ففهمت ما يقول الخصم. ذلك ان الوضوح عنده ميزة يجب ان يتحلى بها كل انسان في حياته الخاصة والعامة، وخصوصاً المحامي. فمن يجيد صياغة الوقائع بشكل واضح ومبسط، يساعده على الوصول الى الحقيقة والى المبتغى. احد كبار القضاة في مجلس شورى الدولة كان يقول لي بأنه كان يحتفظ بصور عن اللوائح التي يقدمها في الملف كما يفعل مع لوائح المحامي الضليع في هذه القضايا المحامي منصور بو صادر اطال الله في عمره.
اما في مجال التشريع فحدث ولا حرج، خصوصاً في لجنة الادارة والعدل التي ترأسها النائب المرحوم اوغست باخوس، والذي كان يقول لي بأن رأي النائب حسن الرفاعي كان مسموعاً بقوة. مضيفاً ان الجميع كان يتهيب لدى عرض المحامي الرفاعي رأيه، لانه كان يجمع بين العلم الوافر وبين إعطاء الرأي الموضوعي البعيد عن الشخصانية او المصلحة الشخصية او الطائفية او المناطقية او المنفعية. فهو كان صادقاً، شجاعاً، لا يعرف الكذب. هذا الكذب الذي يعرفه ضعفاء النفوس مشفوعاً بالغضب لدى المسؤول الذي يتصرف بخبث بهدف تمرير مشاريع مشبوهة.
أما قمة القيم فتجلت في مواقفه السياسية التي لم تعرف الضعف او التزلف او الارتهان لاي جهة حزبية او سياسية او طائفية. بل بقي على مواقفه الصلبة في التشدد للمصلحة الوطنية العليا. يتعامل بأخلاقية عالية، لا يساير ولا يساوم على مبادئه التي تربى عليها.
وعندما شارف على المئة، اصدر كتابه “حارس الجمهورية” الذي يعتبر مرجعاً مهماً نتمنى على الجميع اقتناءه، ليكون مرجعاً لهم في حياتهم السياسية والوطنية والقانونية. رحمه الله.
