
كتب حسن حردان في جريدة “البناء”:
يطرح التدمير الممنهج للأبراج السكنية في غزة، مقروناً بالإعلان المسبق عن القيام بذلك من قبل المسؤولين الإسرائيليين، يطرح التساؤلات بشأن هذا السلوك الإسرائيلي والمجاهرة في ارتكاب جرائم تدمير منازل المواطنين في إطار سياسة العقاب الجماعي.. كما يطرح الأسئلة حول ماهية أبعاده، وأهدافه، وما إذا كان هذا الأسلوب التدميري الإرهابي للسكان المدنيين سوف يحقق أهدافه بالنيل من إرادة وصمود الشعب الفلسطيني، وتمسّكه بحقوقه والتفافه حول مقاومته المشروعة ضدّ الاحتلال.
أولاً، على صعيد أسباب المجاهرة في ارتكاب جريمة تدمير الأبراج والأبنية السكنية:
تتعدّد الأسباب التي تدفع المسؤولين الإسرائيليين للإعلان عن مسؤوليتهم عن استهداف الأبراج السكنية في غزة، وأبرزها:
1 ـ من خلال إعلان المسؤولية، يسعى كيان العدو إلى محاولة ردع حركات وفصائل المقاومة، بأنه مستعدّ لتجاوز الخطوط الحمراء في حال استمرّوا في مقاومتهم ورفضوا الرضوخ للشروط “الإسرائيلية” لوقف الحرب. هذا التكتيك الإرهابي يهدف إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة، حيث أنّ استهداف الأبراج يمثل ضغطاً كبيراً على البنية التحتية المدنية للمقاومة.
2 ـ شعور المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم، بأنهم قادرون على الإفلات من العقاب الدولي على أعمالهم. هذه القناعة ليست وهمية، بل هي مبنية على عدة عوامل رئيسية:
ـ الفيتو الأميركي في مجلس الأمن: تمتلك الولايات المتحدة “حق” الفيتو في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو ما تستخدمه بشكل متكرّر لمنع صدور أيّ قرار يدين “إسرائيل”، أو يفرض عليها عقوبات. هذا الفيتو هو أهمّ أداة سياسية تحمي “إسرائيل” من المساءلة الدولية واتخاذ إجراءات عقابية ضدها لانتهاكها القوانين والمواثيق الدولية.
ـ الدعم الدبلوماسي: بالإضافة إلى الفيتو، تقدّم الولايات المتحدة دعماً دبلوماسياً وسياسياً ثابتاً لـ “إسرائيل” في المحافل الدولية، وتعمل على تخفيف لهجة الانتقادات الموجهة لها، وتبرّر سياساتها باعتبارها أعمالاً دفاعية عن النفس.
2 ـ الضعف في تطبيق القانون الدولي:
ـ غياب آليات التنفيذ: بالرغم من أنّ القانون الدولي الإنساني يوضح بشكل صريح أنّ تدمير الممتلكات المدنية بشكل واسع وغير مبرّر يعتبر جريمة حرب، إلا أنّ آليات تطبيقه ضعيفة. لا توجد قوة دولية ملزمة يمكنها فرض العقوبات على دولة تخرق هذه القوانين.
3 ـ الانقسام الدولي:
ـ غياب موقف موحد على الصعيد الدولي: فبينما تدين بعض الدول والمنظمات بشدة جرائم الحرب الإسرائيلية، فإنّ دولاً أخرى، وخاصة حلفاء “إسرائيل” في الغرب، تقدّم لها الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري. هذا الانقسام يمنع تشكيل جبهة دولية موحدة يمكنها فرض عقوبات فعلية ومؤثرة وتشكل رادعا للحكومة الإسرائيلية”.
ـ الحملات الشعبية: على الرغم من هذا الضعف الرسمي، هناك حركة متنامية على المستوى الشعبي تدعو إلى مقاطعة “إسرائيل” وفرض عقوبات عليها، مثل حركة BDS (المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات). هذه الحركة، وإنْ كانت لا تملك قوة الحكومات، إلا أنها تشكل ضغطاً متزايداً على “إسرائيل” وتزيد من عزلتها على المستوى الشعبي والأكاديمي.
بناءً على هذه العوامل، يمكن القول إنّ “إسرائيل” تشعر بالفعل بأنها في مأمن من العقوبات الدولية الجادة، مما يمنحها حرية أكبر في ممارسة سياسة العقاب الجماعي، ومواصلة حرب الإبادة الجماعية ضدّ الشعب الفلسطيني. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أنّ هذا السلوك يزيد من عزلتها في المحافل الدولية، وعلى صعيد الرأي العام العالمي، ويعزز من الرأي القائل بأنها لا تلتزم بالقانون الدولي، وهو ما قد يكون له تبعات وتداعيات على المدى الطويل.
ثانياً، على صعيد أهداف التدمير الممنهج للأبنية السكنية:
لا يقتصر تدمير الأبراج السكنية على كونه مجرد عمل انتقامي إرهابي وإجرامي، بل يندرج في اطار إستراتيجية أوسع، تهدف الى ما يلي:
1 ـ بث الرعب واليأس لإضعاف الحاضنة الشعبية للمقاومة: يستهدف جيش الاحتلال من وراء تدمير الأبراج السكنية، تشريد مئات الأسر في لحظة واحدة، لخلق حالة من الخوف واليأس في صفوف المدنيين. وإضعاف الحاضنة الشعبية للمقاومة، ودفع الناس للضغط على الفصائل لوقف العمليات.
2 ـ إضعاف البنية التحتية المدنية: تشكل الأبراج السكنية رموزاً للتطور العمراني في غزة. ولهذا فإنّ تدميرها يوجه ضربة قاصمة للاقتصاد والبنية التحتية المدنية، مما يجعل عملية إعادة الإعمار شبه مستحيلة دون تدخل ودعم دولي، وهو ما يعزز من حالة الحصار والاعتماد على المساعدات الخارجية.
3 ـ سياسة العقاب الجماعي: من خلال تدمير الأبراج، ينفذ الاحتلال سياسة العقاب الجماعي على السكان، حيث يتضرّر المدنيون الذين لا يشاركون في المقاومة بشكل مباشر. هذا التكتيك يهدف إلى إضعاف معنويات السكان ودفعهم إلى حالة من الاستسلام.
ثالثاً، هل ينجح كيان الاحتلال في تحقيق أهدافه المذكورة؟
بناء على تجربة حرب الابادة المستمرة منذ نحو عامين يمكن القول إنّ تدمير الأبراج يحقق بعض الأهداف المباشرة، لكنه غالباً ما يكون له نتائج عكسية تؤدي الى:
ـ تعزيز المقاومة، بدلاً من إضعافها، وغالباً ما يؤدّي هذا النوع من التدمير إلى زيادة الغضب الشعبي والتحفيز على الانضمام إلى صفوف المقاومة، كما حدث في العديد من جولات التصعيد السابقة.
ـ إدانة دولية: إعلان المسؤولية عن تدمير منشآت مدنية يضع “إسرائيل” تحت المجهر الدولي، ويزيد من الانتقادات الموجهة لها من قبل المنظمات الحقوقية والحكومات الأجنبية.
ـ فشل في كسر الإرادة الشعبية: على الرغم من الضرر المادي والنفسي الهائل، يظهر التاريخ أنّ صمود الشعب الفلسطيني وتشبثه بأرضه لا يتأثر بمثل هذه الإجراءات. فكلما زاد التدمير، زادت عزيمة الناس على الصمود، وهو ما يظهر جلياً في كلّ جولات ومراحل الحرب الحالية والسابقة.. وما يظهر أيضاً هذه الأيام بعد تدمير الأبراج حيث رفض أغلبية، الذين أصبحوا بلا مسكن، ان يغادروا مدينة غزة، وقرّروا البقاء، ونصب الخيام.
بشكل عام، فإنّ إعلان المسؤولين الصهاينة عن مسؤوليتهم عن تدمير الأبراج السكنية في غزة هو تكتيك إرهابي يهدف إلى محاولة تحقيق أهدافهم في التأثير على معنويات وصمود الشعب الفلسطيني ودفعه الى التخلي عن دعم مقاومة والضغط عليها للرضوخ والاستسلام لشروط الاحتلال… لكن هذا الأسلوب الإسرائيلي سيفشل كما فشل في السابق، وسيكون جيش الاحتلال مضطراً الى مواجهة المقاومة المدعومة من الشعب، عندما يحاول التوغل في أحياء مدينة غزة، حيث ينتظره المقاومون لتوجيه الضربات القوية لمدرّعاته وجنوده، مما يوقع المزيد من الخسائر المادية والبشرية بجيش الاحتلال، الذي بات خائفاً من الغرق أكثر فأكثر من تحوّل حربه الى “فيتنام إسرائيل”.
اقرأ المزيد... ما هي أهداف العدو من تدمير الأبراج والأبنية السكنية في غزة؟
