
كتب باسم الموسوي:
مقدمة
تثير إشكالية حصر السلاح بيد الدولة في لبنان جدلاً دستورياً وحقوقياً عميقاً. فبينما ينطلق بعضهم من بداهة مبدأ احتكار الدولة للقوة المسلحة، يرى آخرون أن شرعية المقاومة ليست استثناءً عرضياً بل امتدادٌ لوظيفة الدولة عندما تعجز عن أداء مهمتها. هذا الجدل يجد جذوره في الفقه الدستوري الحديث، وبالأخص في فكر الفقيه الفرنسي ليون دوغي (Léon Duguit)، الذي رفض فكرة السيادة المطلقة للدولة وربط شرعيتها بالوظيفة الاجتماعية الموكلة إليها. فإذا تخلّت الدولة عن هذه الوظيفة أو عجزت عنها، انتقلت الشرعية إلى المجتمع، أي الشعب، بما يفتح الباب لمشروعية المقاومة. هذا من جملة ما قرّره الحقوقي جهاد اسماعيل في محلّه. و هنا نذهب في تفصيل ما ورد.
أولاً: دوغي ونقد السيادة المطلقة
في مطلع القرن العشرين، كان الفقه التقليدي، المتأثر بأفكار جان بودن، يرى أن الدولة تملك سيادة مطلقة غير قابلة للتجزئة. غير أن دوغي تمرّد على هذا التصور، معتبراً أن السيادة ليست جوهراً ميتافيزيقياً بل مجرد وظيفة اجتماعية. ففي كتابه L’État, le droit objectif et la loi positive (1901) كتب:
«Le droit n’est pas ce que commande l’État.
Le droit est la règle de conduite qui s’impose aux hommes parce qu’ils vivent en société et qu’ils sont liés par une solidarité de fait.
L’État n’a pas la souveraineté, il n’a que la fonction d’assurer, par ses organes, le respect de ces règles objectives.
Si l’État faillit à cette mission, le droit subsiste et la collectivité conserve toujours la capacité de le défendre.»
(الترجمة: القانون ليس ما تأمر به الدولة، بل هو قاعدة السلوك التي تفرض نفسها بفعل التضامن الاجتماعي. الدولة لا تملك السيادة، بل مجرد وظيفة لضمان احترام هذه القواعد. وإذا قصّرت، يبقى الحق، وتظل الجماعة قادرة على الدفاع عنه).
هذا النص التأسيسي يضع القاعدة: الدولة خادمة للقانون، وليست مصدره الأوحد. فالمجتمع هو الذي يلد القانون من حاجاته وتضامنه، والدولة مجرد جهاز لحمايته.
ثانياً: الدولة كخدمة عامة لا كمالك للسيادة
دوغي بلور هذا الطرح لاحقاً في عمله الأضخم Traité de droit constitutionnel (1921–1925)، حيث قال:
«L’État n’est pas une puissance souveraine, il n’est qu’un service public.
Sa légitimité ne réside pas dans une autorité abstraite et absolue, mais dans l’accomplissement de la fonction sociale qu’il a reçue: assurer la solidarité entre les individus et protéger la collectivité.
Si l’État manque à cette fonction, s’il est impuissant ou absent, le droit de défense revient naturellement à la collectivité elle-même, qui reste toujours la source véritable de l’autorité.»
(الترجمة: الدولة ليست سلطة سيادية، بل خدمة عامة. شرعيتها لا تقوم على سلطة مطلقة، بل على أدائها للوظيفة الاجتماعية: التضامن والحماية. فإذا قصّرت أو عجزت، يعود حق الدفاع إلى الجماعة، التي تبقى هي المصدر الحقيقي للسلطة).
هذا النص صريح: الدولة لا تحتكر السيادة، بل تمارسها بالوكالة عن المجتمع. وعندما تسقط الوكالة بسبب عجز الدولة، يستردّ المجتمع سلطته الأصلية، بما يشمل الدفاع عن النفس ومقاومة العدوان.
ثالثاً: إسقاط على الواقع الدستوري اللبناني
في السياق اللبناني، يتضح أن هذا الفهم ينسجم مع نصوص الدستور:
• الفقرة «د» من مقدمته تؤكد أن «الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة».
• قرارات المجلس الدستوري اعتبرت أن المواثيق الدولية (ومنها حق الشعوب في مقاومة الاحتلال) تتمتع بقيمة دستورية.
• الاجتهاد الدستوري اللبناني ميّز بين صاحب السيادة (الشعب) وبين من يمارسها (الدولة)، وهو تماماً ما قاله دوغي.
بالتالي، حين يعجز الجيش اللبناني والدولة عن الدفاع عن الحدود في وجه الاحتلال أو العدوان، فإن الشعب – عبر المقاومة – يمارس سيادته الأصلية. وهذا ليس انتقاصاً من الدولة، بل امتدادٌ لوظيفتها الغائبة.
رابعاً: مشروعية المقاومة كقاعدة وظيفية
وفق دوغي، لا تعني مقاومة الاحتلال ثورة على الدولة، بل ملء فراغ وظيفي. فالسيادة عنده ليست امتيازاً شكلياً، بل مسؤولية اجتماعية: إذا لم يؤدّ الوكيل وظيفته، استعاد الأصيل دوره. هذا بالضبط يفسّر شرعية المقاومة في لبنان:
• هي ليست نقيض الدولة، بل استمرار لوظيفتها الدفاعية حين تعجز.
• هي ليست سلطة موازية، بل سلطة مجتمعية تمارس السيادة الأصلية للشعب.
• مشروعيتها ليست سياسية فحسب، بل دستورية وحقوقية لأنها متجذرة في فكرة أن الدولة مجرد «خدمة عامة».
خامساً: البعد الدولي
ما يعزّز مقولة دوغي أن القانون الدولي نفسه كرّس حق الشعوب في تقرير المصير ومقاومة الاحتلال. قرارات الأمم المتحدة، ومواثيق حقوق الإنسان، أعطت الشعوب هذا الحق الأصيل. فإذا جمعنا بين هذا المعطى وبين فكر دوغي، يتضح أن المقاومة ليست استثناءً بل قاعدة وظيفية، دستورية ودولية في آن واحد.
يعلّمنا فكر ليون دوغي أن الدولة ليست صنماً مطلق السيادة، بل أداة لخدمة المجتمع. فإذا قصّرت الدولة عن الدفاع، يبقى الشعب صاحب السيادة الأصلي، وله أن يمارس الدفاع بنفسه. وفي الحالة اللبنانية، يصبح قرار حصر السلاح بيد الدولة – إن لم يُرافقه أداء فعلي لوظيفة الدفاع – قراراً غير مشروع دستورياً، لأنه يتجاهل حقيقة أن المشروعية لا تنبع من الشكل القانوني، بل من الوظيفة الاجتماعية للدولة، حيث المقاومة امتداد طبيعي لسيادة الشعب.
أمّا في ما يتعلق بما قاله هانس كلسن (Hans Kelsen) حول موضوع السيادة وشرعية الأوامر، فيمكن عرضه على النحو الآتي:
1. السيادة عند كلسن
• كلسن رفض فكرة السيادة بمعناها الميتافيزيقي أو السياسي المطلق، ورأى أنها مجرد مفهوم قانوني نسبي.
• الدولة ليست كياناً ذا سيادة طبيعية، بل هي نظام قانوني هرمي (ordre juridique hiérarchisé).
• القاعدة العليا (Grundnorm) هي التي تمنح الشرعية لكل القواعد الأخرى.
• لذلك، إذا خالف أي أمر صادر (حتى من الحكومة أو البرلمان) هذه القاعدة الأساسية، فإنه يفقد شرعيته.
2. نص من Reine Rechtslehre (النظرية الخالصة في القانون, 1934 / 1960)
«Die Geltung einer Norm hängt von ihrer Übereinstimmung mit einer höheren Norm ab.
Wenn ein staatlicher Akt im Widerspruch zu einer Norm der Verfassung steht, verliert er seine Rechtswirksamkeit.»
(الترجمة: “صحة القاعدة القانونية تعتمد على توافقها مع قاعدة أعلى. فإذا جاء عمل من أعمال الدولة مخالفاً لقاعدة دستورية، فإنه يفقد قوته القانونية”).
3. نص من General Theory of Law and State (1945)
«Sovereignty is not a quality of the state itself, but a characteristic of the legal order.
If the acts of state organs contradict the higher legal order, they are not binding.»
(الترجمة: “السيادة ليست صفة للدولة بحد ذاتها، بل سمة للنظام القانوني. فإذا تعارضت أعمال أجهزة الدولة مع النظام القانوني الأعلى، فإنها لا تكون ملزمة”).
4. إسقاط على موضوع المقاومة
• عند إسقاط فكر كلسن على الحالة اللبنانية:
• إذا أصدرت الحكومة قراراً يقضي بإلغاء مشروعية المقاومة، فإن هذا القرار يجب فحصه في ضوء القاعدة العليا (أي الدستور اللبناني ومواثيقه الدولية ذات القيمة الدستورية).
• بما أن مقدمة الدستور اللبناني وقرارات المجلس الدستوري تعطي شرعية للمقاومة ضد الاحتلال، فإن قرار الحكومة يفقد شرعيته، لأنه يتعارض مع “القاعدة العليا”.
• بهذا يصبح موقف كلسن مكملاً لموقف دوغي، لكن من زاوية شكلية هرمية لا وظيفية اجتماعية:
• دوغي: الشرعية مرتبطة بالوظيفة الاجتماعية (إذا عجزت الدولة، الشعب يمارس المقاومة).
• كلسن: الشرعية مرتبطة بتطابق القرار مع القاعدة العليا (إذا خالف القرار الدستور ومواثيقه، يفقد إلزاميته).
اقرأ المزيد… مشروعية المقاومة بين الدولة والشعب
