"بين حمار جحا وخطة الجيش: عندما تتحول المهَل إلى مسكنات وطنية"

بقلم: د. أسامة توفيق مشيمش

في زمن الانهيارات المتعددة الأوجه التي تعصف بلبنان، يبدو أن كل قرار سياسي أو عسكري يُتخذ بات يشبه إلى حد بعيد قصة جحا الشهيرة مع حمار الملك. ففي الوقت الذي أقرّت فيه الحكومة “خطة الجيش”، أعلنت أيضاً أنها لا تتضمن مهلة زمنية، لأن المهلة قد حُدِّدت مسبقًا في قرار مجلس الوزراء الصادر بتاريخ 5 آب، وهي مستمرة حتى نهاية هذا العام. للوهلة الأولى، يبدو القرار منطقيًا، مدروسًا، يستند إلى إطار زمني محدد. لكن إذا ما تمعنّا في خلفياته وسياقاته، نكتشف بسهولة أنه لا يختلف كثيرًا عن وعد جحا بتعليم الحمار القراءة والكتابة خلال عشرين عامًا!

قصة جحا التي ألِفها كل لبناني، والتي قد تُروى بابتسامة، تحمل في طيّاتها سخرية مرة تشبه الواقع. حين وافق جحا على تعليم حمار الملك مقابل تحقيق مطالبه، لم يكن يراهن على معجزة تربوية، بل على الوقت، ذلك العنصر المطاطي الذي يُراهن عليه سياسيونا اليوم في كل ملفات البلاد، من الأمن إلى الاقتصاد، ومن الكهرباء إلى ملف النزوح، ومن العدالة إلى السيادة.

جحا قالها ببساطة: “بعد عشرين عامًا، إما أنا أموت، أو الملك يموت، أو الحمار يموت”. أما نحن اليوم، فأمامنا حتى نهاية هذا العام — بحسب ما أقرّه مجلس الوزراء — لنرى ماذا ستحقق خطة الجيش، وكيف ستُترجم على الأرض. لكن الفارق أن جحا كان يراوغ بذكاء فردي، أما حكومتنا، فتمارس المراوغة على حساب شعب بأكمله، شعب يئنّ تحت الحصار الاقتصادي، وتحت غارات شبه يومية، وتحت ركام السياسة المعطوبة منذ عقود.

لبنان اليوم لم يعد يحتمل الخطط المؤجلة، ولا الخطط “بلا مهلة”. من يُتابع المشهد الميداني يرى المجازر اليومية في الجنوب، الاغتيالات، والاستهداف الممنهج للبنى التحتية، كل ذلك وسط شلل سياسي داخلي وصمت دولي مريب. وفي مقابل كل هذا، تُطرَح “خطط” لا يعرف المواطن منها سوى عنوانها، وتُحدّد “مهَل” لا تحمل في طيّاتها سوى مسكنات زمنية ووعود مفرغة من مضمونها.

إن شعب لبنان، بطبقاته كافة، لم يعد يثق بخطط لا تترافق مع وضوح سياسي، ولا يراهن على جداول زمنية واهية. بل يطالب بإعادة إحياء “المعادلة الذهبية” التي لطالما شكّلت صمام أمان في وجه العدو الإسرائيلي: “جيش، شعب، مقاومة”. هذه المعادلة التي تحاول بعض الأطراف الداخلية والخارجية طمسها أو تجاوزها، أثبتت في محطات عدة أنها الخيار الواقعي الوحيد الذي يجمع بين السيادة والأمن والاستقرار.

أي خطة لا تضع هذه المعادلة في قلبها، تبقى خطة عاجزة. الجيش اللبناني يبقى مؤسسة تحظى بثقة شعبه، لكن لا يمكن رميها في مواجهة عسكرية غير متكافئة دون غطاء سياسي، ودون تكامل مع الشعب والمقاومة. لقد أثبتت التجارب أن الجيش وحده، في ظل الانقسام السياسي والضغط الدولي، لا يمكنه خوض المواجهات الكبرى.

ما يحتاجه لبنان ليس مزيدًا من الوقت، بل وضوحًا في التوجهات. فالمهلة الزمنية التي حُدّدت حتى نهاية العام، يجب أن تكون لحسم الخيارات، لا للمماطلة. إما أن نقرر بوضوح أن الاحتلال والعدوان على الجنوب لا يمكن القبول بهما، وأن تحرير الأرض والدفاع عن السيادة أولوية، وإما أن نستمر في سياسة “جحا” وننتظر موت الملك أو الحمار أو الاثنين معًا، بينما يموت الشعب يوميًا بصمت.

إن الأزمة التي يعيشها لبنان اليوم لم تعد تُحتمل. ما يجري في الجنوب من استهدافات إسرائيلية ممنهجة، وما يجري في الداخل من انهيارات اقتصادية وأمنية، يتطلب خطة وطنية شاملة، لا مجرد خطة عسكرية ذات مهلة غامضة. المطلوب اليوم ليس فقط تفعيل خطة الجيش، بل تفعيل الإرادة السياسية الجامعة، والتوقف عن الرهان على الوقت كحل.

ختامًا، لعل جحا كان أذكى من كثير من سياسيينا، لأنه على الأقل كان صريحًا في مراوغته. أما هم، فيراوغون بصمت، ويخدعون شعبًا بأكمله تحت عنوان “الخطة”، و”المهلة”، و”الإجماع”، دون أن يدركوا أن حمار الملك، هذه المرة، هو الوطن نفسه.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com