
كتبت جيهان زعتر:
المقدمة: إعادة كتابة تاريخ التنوير
عادةً ما يُقدَّم التنوير الأوروبي كمرحلة محلية بحتة، بدأت مع ديكارت وامتدت إلى فولتير وديدرو وكانط. غير أنّ إرنست بلوخ، في كتابه ابن سينا واليسار الأرسطي (1952)، يقترح قراءة بديلة ترى التنوير ثمرة تفاعل طويل بين حضارات مختلفة، لا سيما الحضارة الإسلامية التي ورثت الفلسفة الإغريقية وطوّرتها. بلوخ لا يكتفي بإبراز دور الترجمة والنقل، بل يضع ابن سينا (980–1037م) في موقع الفيلسوف الذي دشّن خطّاً خاصاً سماه “اليسار الأرسطي”، خطّ يركّز على المادية والعقل والعالم الحاضر، في مواجهة السلطة اللاهوتية التي مثّلها المسيحية الوسيطة. ومن هذا المنظور، يصبح ابن سينا أحد المؤسسين البعيدين للتنوير.
الفصل الأول: ما هو اليسار الأرسطي؟
يبتكر بلوخ تعبير “اليسار الأرسطي” ليدلّ على تيارٍ فلسفي ينطلق من نصوص أرسطو لكنه يتجاوز التفسير الميتافيزيقي التقليدي، ليُبرز عناصر مادية وعقلانية ودنيوية. هذا الخط يختلف عن “اليمين الأرسطي” الذي تجسّد لاحقاً في الفلسفة المدرسية (السكولاستيكية) المسيحية، خصوصاً عند توما الأكويني الذي دمج أرسطو باللاهوت.
اليسار الأرسطي، وفق بلوخ، ليس مجرّد تأويل لأرسطو، بل توجّه تاريخي يرى في المادة والطبيعة والعقل البشري منابع الحقيقة، لا في الوحي الغيبي. هذا التيار قاوم التديّن الرسمي وحافظ على نزعة إنسانية دنيوية ستبلغ أوجها مع التنوير.
الفصل الثاني: ابن سينا والفصل بين العقل والوحي
ابن سينا، كما يصفه بلوخ، لم يكن راهباً بل طبيباً وفيلسوفاً عاش في مجتمع مديني وتجاري مزدهر. هذا السياق التاريخي – حيث برزت بغداد وإصفهان وقرطبة كمراكز علمية – سمح بتطوّر عقلاني مختلف عن أوروبا الإقطاعية الكنسية.
في هذا المناخ، وضع ابن سينا تمييزاً جذرياً بين:
• الدين: خطاب جماهيري قائم على الرموز والقصص والأمثال.
• الفلسفة: خطاب عقلي برهاني موجّه للنخبة القادرة على الاستدلال.
يقول بلوخ إنّ “ابن سينا حوّل الدين إلى لغة رمزية للجماهير، بينما منح للعقل مقام الحكم الأعلى” .
هكذا يتقدّم العقل بوصفه المرجع النهائي، فيما يصبح الدين وظيفة تربوية وأخلاقية لا سلطة معرفية مطلقة. هذه النقلة هي ما يجعل ابن سينا أقرب إلى مؤسِّس مبكر للتنوير، إذ جعل من العقل معياراً أعلى من النص.
الفصل الثالث: من ابن سينا إلى ابن رشد
مع ابن رشد تتبلور ملامح اليسار الأرسطي بشكل أوضح. فهو يصرّ على أن أرسطو ليس مجرد سابق لمحمد، بل هو أقصى تجلٍّ للعقل البشري. في فلسفته:
• تُفسَّر النصوص الدينية كأمثال ورموز، لا كحقيقة مطلقة.
• تُصبح الفلسفة أعلى مرتبة من اللاهوت.
• يُكرَّس العقل كضوء كوني، مقابل ضوء الوحي المحدود بالجماعة.
بهذا، ينقلب الترتيب الوسيط: بدلاً من أن تكون الفلسفة خادمة للدين، يصبح الدين خادماً للفلسفة. هذا ما يسميه بلوخ “اليسار الأرسطي في أوج قوته”.
الفصل الرابع: أوروبا بين خطين
عندما وصلت الترجمات اللاتينية لأعمال ابن سينا وابن رشد إلى أوروبا، انقسم التراث الأرسطي إلى خطين متوازيين:
1. الخط التوفيقي الذي مثّله توما الأكويني، حيث جرى دمج الفلسفة باللاهوت، وتمجيد أرسطو باعتباره praecursor Christi (سابق المسيح).
2. الخط اليساري الأرسطي، حيث جرى استقبال ابن رشد وابن سينا بوصفهما فلاسفة مستقلين يضعون العقل فوق الوحي. هذا الخط أثّر في مفكرين مثل جيوردانو برونو وسبينوزا، وكان أساساً لصراع طويل مع الكنيسة.
بلوخ يشدّد أن الحداثة الأوروبية لم تنبع من الخط الأول، بل من الثاني الذي حمل بذور المادية والعقلانية والتحرّر من اللاهوت.
الفصل الخامس: الدين وقد أُعيد إلى الأخلاق
من أبرز إنجازات اليسار الأرسطي أنه أعاد الدين إلى وظيفته الأخلاقية. أي أنّه لم ينكر الدين جملةً، بل حوّله إلى منظومة قيمية وأسلوب تربية جماهيرية، بينما ترك للعقل مهمة البحث عن الحقيقة.
يلاحظ بلوخ أنّ “الرمز الديني عند ابن سينا ليس لغزاً غامضاً، بل شفرة قابلة للحل بالعقل” .
هذا التحويل هو ما سيتكرّر لاحقاً في التنوير الأوروبي، حيث اعتُبر الدين إطاراً أخلاقياً عاماً (كما عند لوك وفولتير)، لا منظومة معرفية مُطلقة.
الفصل السادس: مقاومة اللاهوت المسيحي
لم يكن غريباً أن تعتبر الكنيسة هذا الخط تهديداً مباشراً. فالقول إن الفلسفة أعلى من اللاهوت معناه تقويض سلطة رجال الدين. لذلك وُصفت “الأفكار الرشدية” بالهرطقة، وحورب أصحابها. لكن، وكما يشير بلوخ، فإنّ هذه الهرطقة هي التي ولّدت لاحقاً استقلالية العلم والفلسفة في أوروبا.
هنا يظهر ابن سينا لا كمفكر “شرقي” بعيد، بل كأحد المشتركين في معركة طويلة ضد هيمنة اللاهوت، معارك ستُتوَّج بالتنوير.
الفصل السابع: ابن سينا كمؤسّس بعيد للتنوير
هل يمكن القول إن ابن سينا من مؤسسي التنوير؟ يجيب بلوخ بالإيجاب – ولكن مع إضافة أنّه مؤسس بعيد، أي حلقة مبكرة في سلسلة طويلة.
• لقد فصل بين العقل والوحي.
• أعاد الدين إلى الأخلاق.
• رسّخ مركزية العالم الحاضر والمادة.
• نقل أرسطو إلى أوروبا بوجه عقلاني مغاير للوجه اللاهوتي.
وبهذا، يُصبح ابن سينا أحد الجذور العميقة التي غذّت التنوير، حتى وإن لم يكن “تنويرياً” بالمعنى الزمني الضيق.
الخاتمة: التنوير كتراث مشترك
بإعادة إدخال ابن سينا في تاريخ التنوير، يوسّع بلوخ أفق الفلسفة الأوروبية. فالتنوير لم يكن معزولاً عن الشرق الإسلامي، بل تغذّى من تقليد عقلاني نشأ هناك، ثم انتقل عبر الترجمات والنقاشات إلى أوروبا. اليسار الأرسطي، من ابن سينا وابن رشد إلى برونو وسبينوزا، كان تقليداً مضاداً للكنيسة، وواحداً من أهم منابع الحداثة الأوروبية.
إن إعادة قراءة هذا التراث تكشف أنّ التنوير ليس “اختراعاً أوروبياً خالصاً”، بل هو ثمرة تلاقي حضارات، كان لابن سينا فيها دور المؤسِّس البعيد، الذي مهد السبيل لسلطان العقل، ولعالم لا تُحدّده اللاهوتيات وحدها.
