
كتب باسم الموسوي:
الهند، باعتبارها قوة ديموغرافية واقتصادية صاعدة، تقف اليوم عند مفترق طرق في سياستها الخارجية. فعلى مدى عقدين، بدا وكأنها تتجه إلى بناء شراكة إستراتيجية مع الولايات المتحدة لموازنة صعود الصين، لكن السنوات الأخيرة أظهرت أن نيودلهي لم تعد تثق في الرهان الكلي على واشنطن. بل على العكس، فإنها أعادت تنشيط سياسة “التوجه شرقاً”، واضعة نصب أعينها تعزيز روابطها مع شرق آسيا، والانفتاح على شركاء متعددين من أجل الحفاظ على استقلالية قرارها. هذا المقال يحاول الإجابة عن السؤال: لماذا اختارت الهند الشرق، وتخلّت نسبياً عن صداقة أمريكا؟
أولاً: الإرث التاريخي لعدم الانحياز
منذ استقلالها عام 1947، بنت الهند سياستها الخارجية على مبدأ عدم الانحياز، الذي أرساه جواهر لال نهرو. فقد رفضت نيودلهي الانضمام إلى أي محور خلال الحرب الباردة، مفضلة أن تكون صوتاً مستقلاً للدول النامية. ومع ذلك، أقامت علاقات وثيقة مع الاتحاد السوفييتي، خصوصاً في المجال العسكري والدبلوماسي، بينما ظلت علاقاتها مع الولايات المتحدة متقلبة، تتأرجح بين التقارب والفتور.
هذا الإرث لا يزال يؤثر في السياسة الهندية اليوم. فالهند ترى نفسها قوة مستقلة لا يجب أن ترتهن لأي قطب، سواء كان واشنطن أو بكين. وهو ما يجعلها حريصة على توزيع أوراقها وعدم الارتهان لصداقة أمريكا وحدها.
ثانياً: من “النظر شرقاً” إلى “العمل شرقاً”
في التسعينيات، ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وأزمة الاقتصاد الهندي، أدركت نيودلهي أنها بحاجة إلى إعادة تموضع استراتيجي. فظهرت سياسة “Look East” عام 1991، بهدف تعزيز العلاقات مع دول جنوب شرق آسيا (آسيان) واليابان وكوريا الجنوبية.
وفي عام 2014، حوّل رئيس الوزراء ناريندرا مودي هذه السياسة إلى “Act East”، أي الانتقال من التنظير إلى التطبيق العملي عبر مشاريع اقتصادية واستثمارية وأمنية. وباتت الهند أكثر حضوراً في قمم شرق آسيا، وأكثر نشاطاً في التعاون مع فيتنام وسنغافورة واليابان، إلى جانب تعزيز وجودها البحري في المحيط الهندي.
هذا التوجه لم يكن بديلاً عن العلاقة مع الولايات المتحدة، بل كان بمثابة موازنة واحتياط، تحسباً لأي تراجع في الثقة المتبادلة.
ثالثاً: وعود أمريكية لم تتحقق
شهدت العلاقات الهندية–الأمريكية دفئاً ملحوظاً في العقدين الماضيين، خاصة بعد توقيع الاتفاق النووي المدني عام 2005، الذي عُدّ نقطة تحول. كما تعزز التعاون الأمني في إطار الحوار الأمني الرباعي (QUAD) مع اليابان وأستراليا.
لكن رغم هذه الخطوات، لم تتحول العلاقة إلى تحالف شامل. فقد ظلت الولايات المتحدة تتعامل مع الهند كشريك مشروط، وأحياناً كأداة في استراتيجيتها لمواجهة الصين. أما الهند، فكانت حذرة من الانخراط في التزامات دفاعية صريحة، خشية أن تُفقدها استقلاليتها. النتيجة أنّ الكثير من الوعود الأمريكية، سواء في الاستثمار أو نقل التكنولوجيا، بقيت محدودة الأثر.
رابعاً: الأزمة التجارية والدبلوماسية الأخيرة
العلاقة الهندية–الأمريكية دخلت مرحلة صدام علني في عام 2025، حين فرضت إدارة ترامب الثانية تعريفات جمركية تصل إلى 50% على صادرات الهند، بذريعة أنها تساعد روسيا في الالتفاف على العقوبات عبر شراء النفط وإعادة تصديره. هذه الخطوة أضعفت الثقة الاستراتيجية، واعتُبرت إهانة لنيودلهي التي كانت ترى نفسها شريكاً لا تابعاً.
إلى جانب ذلك، فإن:
• الضغط الأمريكي على الهند لوقف شراء الأسلحة الروسية أثار حساسية بالغة.
• دعم واشنطن العلني لباكستان في ملفات معينة زاد من التوتر.
• التعامل مع الهند باعتبارها “ركيزة ثانوية” بدل كونها قوة مستقلة أزعج النخبة السياسية الهندية.
هذه الأزمة أبرزت للهند أن علاقتها بواشنطن قابلة للتقلب مع كل إدارة أمريكية، ما يجعل الاعتماد الكامل عليها مخاطرة استراتيجية.
خامساً: صعود الصين وضرورات التوازن
لا يمكن فهم التوجه الهندي شرقاً من دون النظر إلى الصعود الصيني. فبكين لم تكتفِ بمنافسة الهند اقتصادياً، بل حاولت تطويقها عبر ما يُعرف بـ “سلسلة اللآلئ”، أي شبكة موانئ وقواعد في باكستان وسريلانكا وميانمار. كما اندلعت بينهما مواجهات حدودية دامية، أبرزها اشتباكات وادي غالوان عام 2020.
أمام هذا الواقع، رأت نيودلهي أن الانفتاح شرقاً على دول مثل اليابان وفيتنام وإندونيسيا يوفّر لها فضاءً لموازنة النفوذ الصيني، دون أن تُظهر تبعية عمياء لواشنطن. هذه الدول، مثل الهند، تخشى من التمدد الصيني لكنها لا تريد الاصطفاف الكامل خلف أمريكا.
سادساً: البعد الاقتصادي للتوجه شرقاً
اقتصادياً، وجدت الهند في شرق آسيا بيئة أكثر جاذبية من الولايات المتحدة لعدة أسباب:
1. النمو السريع في آسيان: دول جنوب شرق آسيا تشكل سوقاً ضخمة للصادرات والاستثمارات.
2. الاندماج في سلاسل التوريد: الهند تسعى إلى أن تكون جزءاً من شبكة الإنتاج العالمية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والإلكترونيات.
3. المشاريع المشتركة: اليابان، مثلاً، تموّل مشاريع ضخمة للبنية التحتية في الهند، مثل ممر دلهي–مومباي الصناعي.
هذه الديناميكيات تجعل التوجه شرقاً خياراً عملياً لتعزيز النمو الاقتصادي، في حين أن السوق الأمريكية وحدها لم تعد كافية.
سابعاً: أمن الطاقة والمحيط الهندي
الهند تستورد أكثر من 80% من احتياجاتها النفطية، ومعظمها يمر عبر مضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي. هذا يجعل أمن الطاقة مرهوناً بالشرق أكثر من الغرب.
لذلك، عززت الهند وجودها البحري في المحيط الهندي، وانخرطت في تدريبات مشتركة مع اليابان وأستراليا وسنغافورة، بل وأقامت قواعد لوجستية في جزر مثل أندمان ونيكوبار. هذا التوجه البحري يضعها في قلب التوازنات الآسيوية، ويمنحها استقلالية أكبر عن الحماية الأمريكية.
ثامناً: الاستقلالية الاستراتيجية
المفهوم الذي يحكم السياسة الهندية اليوم هو الاستقلالية الاستراتيجية (Strategic Autonomy). الهند لا تريد أن تكون مجرد حليف لواشنطن، بل قوة مستقلة تناور بين الجميع. ومن هنا:
• تحتفظ بعلاقات قوية مع روسيا، مزود السلاح الرئيسي لها.
• تواصل تعاونها مع إيران والخليج في مجال الطاقة.
• تنفتح على اليابان وآسيان شرقاً.
• وتبقي على تعاون وثيق مع أمريكا في التكنولوجيا والدفاع، ولكن دون التزامات ملزمة.
هذا التوجه يتيح للهند حرية حركة واسعة، ويجنبها الوقوع في فخ “الحرب الباردة الجديدة” بين واشنطن وبكين.
تاسعاً: بين واشنطن وبكين – معادلة التوازن
الهند اليوم ليست في وارد القطيعة مع الولايات المتحدة، ولا في وارد التحالف مع الصين. بل تسعى إلى تحقيق توازن دقيق:
• الاستفادة من التكنولوجيا والاستثمارات الأمريكية،
• مواجهة التحدي الصيني شرقاً،
• وفي الوقت نفسه، إبقاء قنوات مفتوحة مع موسكو وبكين لتجنب العزلة.
هذا النهج ينسجم مع طموح الهند لأن تكون قطباً مستقلاً في النظام الدولي المتعدد الأقطاب، لا تابعاً لأي محور.
خاتمة
توجه الهند شرقاً ليس مجرد خطوة ظرفية، بل هو خيار استراتيجي يعكس ثلاثة عوامل: إرث عدم الانحياز، خيبة الأمل من واشنطن، والحاجة إلى موازنة الصين. الأزمة التجارية والدبلوماسية الأخيرة مع الولايات المتحدة سرّعت هذا التحول، لكنها لم تُنشئه من العدم. التوجه شرقاً يمنح الهند فرصاً اقتصادية أكبر، وفضاءً استراتيجياً أوسع، وأمناً للطاقة والملاحة البحرية.
الهند لا تهجر صداقة أمريكا كلياً، لكنها ترفض أن تكون أسيرة لها. فهي تختار أن تكون قوة مستقلة، تتحرك في كل الاتجاهات، وتبني شراكات متعددة. وفي عالم يتجه نحو التعددية القطبية، يبدو أن نيودلهي صاغت معادلتها الخاصة: الشرق ليس بديلاً عن الغرب، لكنه الطريق نحو استقلالية القرار وتعزيز المكانة العالمية.
اقرأ المزيد… الهند بين الشرق والغرب: لماذا اختارت التوجّه شرقاً وتخلّت عن الرهان على صداقة أمريكا؟
