
بقلم: د. أسامة توفيق مشيمش
في حكاية رمزية تختصر بؤس وعقم الوعي الجمعي، قيل إن ملكاً قرر إعدام ألف شخص وحمار، فتساءل الناس: “ولماذا الحمار؟”، ولم يكترث أحد لمصير الألف بشري. حينها همس المستشار في أذن الملك قائلاً: “ألم أقل لك أنهم سيسألون عن الحمار، ولن يسألوا عن الناس؟”.
قد يبدو المشهد ساخراً أو من بنات الخيال، لكن المأساة أننا نعيشه واقعاً يومياً، خصوصاً في بلد كلبنان، حيث تتواطأ السلطة مع الجهل الجماعي لتمرير مشاريع لا وطنية تُقوّض ما تبقّى من ركائز الدولة، وتستهدف ما تبقّى من نبض في جسد المقاومة والهوية.
تأملت المشهد لحظة تلقيت هذه القصة من صديق، فاستحضرت الصورة في ذهني: ملك يقف على شرفته، تحته جنود، حاشية، جمهور غفير، وحاشية تصفق، وشعب يتزاحم ليُبصر القصر من بعيد، يراقب بخنوع لا يكاد يُميّز بين الجلاد والضحية. وبينما يعلن الملك قرار الإعدام، يتشبث الناس بالهامش: الحمار. كأنهم لا يرون غيره.
هذه الرمزية السوداء ليست عبثية. هي توصيف دقيق لواقع الحال في لبنان، حيث تُمرر أخطر القرارات الوطنية تحت ستار أحداث جانبية تُفبرك عمداً لإشغال الرأي العام عن جوهر المسائل.
لعلّ أخطر ما نشهده اليوم هو ما تحيكه السلطة اللبنانية من خلال سلطتها التنفيذية غير الميثاقية، حين تلوّح بتكليف الجيش اللبناني تنفيذ مهمة نزع سلاح المقاومة، لا بصفتها قوة دفاع وطني رديفة، بل كأنها ميليشيا خارجة عن القانون. وفي موازاة هذا القرار المصيري، يجري الترويج لملفات هامشية على غرار ما يشبه “الحمار” في القصة، لتتلقفها وسائل الإعلام وتُشغل بها الناس، وينصرف النقاش العام إلى القشور، لا إلى جذور الانهيار.
إن استخدام سلاح “الإلهاء” لتغطية قرارات خطيرة هو تكتيك معروف في الأنظمة التي تُدير شعوبها بعقلية القطيع. يُطلق القرار الخطير في الخفاء، ثم تُرمى للعامة قضايا تافهة لكنها مثيرة، فينقسم الرأي العام، وتُجهض أي محاولة لفهم أبعاد المؤامرة الحقيقية.
ما يجري في لبنان ليس جديداً، بل هو استكمال لمسار بدأ منذ اتفاق الطائف، حيث جرى تفريغ الدولة من مضمونها السيادي، وتحويلها إلى منصة لتقاسم النفوذ بين الطوائف، بغطاء خارجي يفرض الإملاءات تارة بالترهيب وطوراً بالترغيب.
لكن الجديد اليوم هو توجيه السهام نحو المقاومة، لا كجزء من معادلة الردع، بل كعبء ينبغي التخلص منه، وكأن ما يهدد لبنان ليس العدو الإسرائيلي، ولا الانهيار المالي، ولا الهجرة، ولا الفساد، بل بندقية المقاوم!
هذا التواطؤ بين السلطة والعدو يُترجم بإصرار البعض على المطالبة بسحب سلاح المقاومة تحت ذرائع واهية، في توقيت دولي وإقليمي بالغ الخطورة، حيث تُعاد رسم خرائط النفوذ من جديد، وتُجهّز المنطقة لصفقات لا مكان فيها للضعفاء.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه بجرأة: من يضمن أن نزع سلاح المقاومة لن يكون مقدمة لتكرار سيناريوهات الضعف والتنازل التي جرّبناها في مراحل سابقة؟ ومن المستفيد من شل قدرة لبنان الدفاعية في وقت تتضاعف فيه التهديدات عند الحدود؟
من المؤسف أن تتحول بعض الجهات الرسمية إلى أداة طيّعة في يد الأجندات الخارجية، تساير الرياح الدولية دون اعتبار لمصلحة لبنان العليا، وتبيع أمن البلد بثمن بخس، فقط لكسب رضا المانحين أو لرفع عتب الدول النافذة.
أمام هذا الواقع، لا بد من وقفة ضمير وطنية، تتجاوز الانقسامات السياسية والطائفية، وتعيد تثبيت بوصلة المواجهة في اتجاهها الصحيح. فالمقاومة لم تكن يوماً عبئاً، بل صمّام أمان في وجه العدو، وشريكاً في تحرير الأرض، وضمانة لأي تفاوض مشرف في المستقبل.
أما أولئك الذين يُصرّون على سؤال “لماذا الحمار؟”، فنقول لهم: توقفوا عن النظر إلى الهامش، وافتحوا أعينكم على الخطر الحقيقي. لبنان ليس حديقة خلفية لأحد، ولا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. ومَن يريد حماية الدولة، فليبدأ بحماية كرامتها وسيادتها، لا بنزع أنيابها.
اقرأ المزيد… الحمار أولاً… حين يُصادر العقل وتُستباح الأوطان
