
رانيا كامل يونس / كاتبة بالشؤون الجيوسياسية العامة
شهد الجنوب اللبناني جولة جديدة من الغارات الإسرائيلية استهدفت مبانٍ مدنية تدّعي إسرائيل أنها تابعة للمقاومة، وأوقعت العديد من الجرحى. ووفق ما ورد في تقارير دولية، فقد لامس التصعيد هذه المرة حدوداً حساسة مع إلقاء طائرات مسيّرة إسرائيلية قنابل قرب قوة من “اليونيفيل”، ما شكّل أخطر تهديد مباشر للقوات الدولية منذ سنوات.
هذه الغارات لا تبدو معزولة عن سياق سياسي داخلي وإقليمي بالغ الدقة، خصوصاً مع اقتراب جلسة الحكومة اللبنانية المرتقبة يوم الجمعة، والتي يُنتظر أن تبحث ملف “سلاح المقاومة” في ضوء خطة الجيش المدعومة أميركياً
البعد العسكري: رسائل بالنار
بحسب تقديرات مراكز أبحاث عسكرية، تنتمي هذه الغارات إلى نمط استنزافي مدروس، هدفه إبقاء المقاومة تحت الضغط النفسي والميداني دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وتراهن إسرائيل على تثبيت معادلة “القصف مقابل اللارد”، بما يحفظ لها اليد العليا ميدانياً ويُبقي لبنان غارقاً في حسابات داخلية.
اللافت أن الاستهداف قرب مواقع “اليونيفيل”، وفق ما أكدت مصادر دبلوماسية مطلعة، يحمل رمزية مزدوجة:
• من جهة، هو استعراض للقوة يوجّه رسالة بأن إسرائيل غير معنية بالخطوط الحمراء التقليدية.
• ومن جهة أخرى، يضع القوات الدولية في موقف حرج قد يدفعها إلى إعادة النظر في وجودها، ما يضاعف عزلة الدولة اللبنانية ويتركها وحيدة في مواجهة الأزمة.
⸻
البعد السياسي: ضغوط تسبق الجلسة
وفق ما ورد في تقارير دولية، تأتي هذه الضربات في لحظة تقاطع بين الداخل والخارج. فالولايات المتحدة تدفع باتجاه تطبيق خطة نزع سلاح حزب الله قبل نهاية العام، واضعة ملف المساعدات وإعادة الإعمار كورقة ضغط. أما إسرائيل فتلوّح بالانسحاب الجزئي من الجنوب إذا التزمت الحكومة اللبنانية بالخطة، وهو عرض سياسي مغلّف بتهديد عسكري.
في المقابل، يتبنّى رئيس مجلس النواب نبيه برّي خطاباً أكثر حذراً، داعياً إلى حوار وطني قبل أي قرار مصيري. فيما ترى قوى المعارضة لسلاح المقاومة، وفق ما جاء في بعض المواقف الإعلامية، أن الفرصة مواتية لاستعادة احتكار الدولة للسلاح.
الانقسام الداخلي: بين الدولة والمقاومة
تشير دراسات صادرة عن مراكز أبحاث لبنانية إلى أن الانقسام الداخلي يعمّق الأزمة السياسية:
• المعسكر المؤيد لنزع السلاح يرى أن لحظة الدولة قد حانت، وأن ربط إعادة الإعمار والمساعدات الدولية بسلاح حزب الله يضع الجميع أمام خيار تاريخي.
• المعسكر المعارض يعتبر أن الحديث عن تسليم السلاح في ظل تصعيد يومي يشبه “الانتحار السياسي والعسكري”، إذ لا يمكن الرهان على ضمانات دولية أثبتت هشاشتها في أكثر من محطة.
السيناريوهات المقبلة
بحسب مصادر سياسية ودبلوماسية مطلعة، تبقى الاحتمالات مفتوحة على أكثر من مسار خلال الأيام المقبلة:
1. مواصلة التصعيد الإسرائيلي: لإبقاء الضغط متصاعداً قبيل الجلسة، وربما توسيع الاستهداف إلى مناطق خارج الجنوب لتأكيد أن لا خطوط آمنة.
2. رد محدود من المقاومة: من المرجّح أن لا تقوم بأي رد في الوقت الراهن، لكنه إن حصل سيكون محدوداً لضبط ميزان الردع.
3. توظيف سياسي للتصعيد: قد تستخدم الحكومة الضربات لتبرير خطتها بدعوى أن السلاح يجرّ البلاد إلى الدمار، فيما يوظّفه حزب الله لتأكيد أن السلاح لا يزال صمام أمان.
4. تصدّع داخلي: الانقسامات قد تخرج من المؤسسات إلى الشارع عبر احتجاجات أو استنفار جماهيري وفق نتائج الجلسة.
وفي نهاية المطاف، يتضح أن الغارات الإسرائيلية ليست مجرد فعل عسكري موضعي، بل جزء من معركة أوسع تُخاض بالنار والسياسة معاً. فإسرائيل تضغط عسكرياً لفرض واقع سياسي جديد، والولايات المتحدة تربط المساعدات بالقرار اللبناني الداخلي، بينما ينقسم الداخل بين معسكر يريد بناء دولة مكتملة السيادة، وآخر يرى أن السيادة لا تُصان إلا بسلاح المقاومة. وبذلك تصبح الجلسة المرتقبة يوم الجمعة بمثابة مفترق طرق حاسم: إما بداية مسار جديد نحو نزع السلاح وفق خطة دولية، أو تكريس الانقسام وتحويل الجنوب اللبناني مجدداً إلى ساحة رسائل نارية بين القوى الإقليمية والدولية.
اقرأ المزيد… الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان: تصعيد عسكري في لحظة سياسية دقيقة
