
كتب باسم الموسوي:
“La storia etico-politica non può prescindere neanche essa dalla concezione di” un “blocco storico”, in cui l’organismo è individualizzato e reso concreto dalla forma etico-politica, ma non può essere concepito senza il suo contenuto “materiale” o pratico»
«إنّ التاريخ الأخلاقي-السياسي لا يمكن أن يستغني هو أيضًا عن مفهوم “الكتلة التاريخية”، حيث يُفرد الكيان ويُجعل ملموسًا بواسطة الشكل الأخلاقي-السياسي، لكنه لا يمكن أن يُتصوَّر من دون محتواه “المادي” أو العملي»، أنطونيو غرامشي، دفاتر السجن
مدخل
حين تحدّث أنطونيو غرامشي عن الكتلة التاريخية في دفاتر السجن، لم يكن يقصد مجرد تحالف عابر بين قوى اجتماعية. بل أراد أن يبيّن أنّ السيطرة السياسية لا يمكن أن تستمر من دون تلاحم بين البنية التحتية الاقتصادية والبنية الفوقية الثقافية والسياسية. الطبقة المهيمنة لا تحكم بالقوة وحدها، بل عبر إنتاج “حسّ مشترك” جديد يجعل قيمها ومصالحها تبدو بديهية وطبيعية. ومن هنا، فإنّ أي مشروع تغييري جذري لا بد أن يبني كتلة تاريخية بديلة، قادرة على ربط النضال الاقتصادي بالصراع الثقافي والسياسي.
اليوم، ونحن في زمن الهيمنة النيوليبرالية والعدوان الإمبريالي المستمر، يمكن أن نصوغ أطروحة تقول: إنّ الكتلة التاريخية لعصرنا ليست كتلة الأسواق ولا المؤسسات الدولية، بل كتلة المقاومة، في لبنان والعالم.
أولاً: المفهوم الغرامشي
غرامشي رفض الاختزال الماركسي الميكانيكي الذي يردّ التاريخ إلى البنية الاقتصادية وحدها. فرأى أنّ التاريخ يتحرك عبر وحدة الاقتصاد والسياسة والثقافة. هذه الوحدة ليست آلية، بل تُبنى في صراع، عبر توافقات وتضحيات وصياغة مشروع يقدَّم كأنه يمثل “المصلحة العامة”. من هنا جاءت فكرة الكتلة التاريخية: التحالف الطبقي-الثقافي الذي يربط القاعدة المادية بالبنية الأيديولوجية.
وهذا يعني أنّ أي مقاومة للهيمنة لا يمكن أن تبقى في حدود المواجهة العسكرية أو الاقتصادية، بل عليها أن تتحول إلى مشروع اجتماعي شامل، يخلق مثقفيه العضويين، ويعيد صياغة الحسّ المشترك للجماهير.
ثانياً: المقاومة اللبنانية ككتلة تاريخية
في لبنان، المقاومة لم تبقَ مجرد تنظيم عسكري يواجه الاحتلال الإسرائيلي. لقد تحولت، مع الوقت، إلى كتلة تاريخية كاملة:
• اقتصادياً: بنت مؤسسات اجتماعية وخدماتية شكّلت نموذجاً في الاعتماد على الذات.
• سياسياً: فرضت نفسها كفاعل وطني لا يمكن تجاوزه، متجاوزة حدود الطائفة لتصبح ركيزة في المعادلة السياسية.
• ثقافياً وأيديولوجياً: صاغت خطاباً يجعل من التحرير والكرامة والسيادة جزءاً من الحسّ المشترك للبنانيين والعرب.
بهذا المعنى، المقاومة في لبنان لم تعد “رد فعل” ظرفياً، بل مشروعاً تاريخياً يعيد تنظيم المجتمع حول قيم التحرير والسيادة. هنا نجد صدى لما سمّاه غرامشي “الهيمنة الأخلاقية-الثقافية”: القيادة عبر الرضى قبل أن تكون عبر القسر.
ثالثاً: نحو كتلة تاريخية عالمية للمقاومة
ليست الحالة اللبنانية معزولة. في فلسطين، في اليمن، في أميركا اللاتينية، وفي حركات الشعوب ضد العولمة والاحتباس الحراري والعنصرية، تتشكل خيوط كتلة تاريخية عالمية. هذه الخيوط تتشارك في رفضها للهيمنة الإمبريالية، وفي سعيها لإنتاج حسّ مشترك بديل: عالم تُبنى فيه العلاقات على العدالة والسيادة لا على الاستغلال والنهب.
• في فلسطين، المقاومة لا تنحصر بالسلاح، بل في تحويل الصمود إلى هوية يومية، إلى ثقافة تربية وأدب وغناء.
• في اليمن، تحولت مقاومة الحرب إلى بنية اجتماعية تستند إلى وعي جمعي بالاستقلال.
• في أميركا اللاتينية، بُنيت كتل مقاومة سياسية تسعى لتجاوز النيوليبرالية عبر دمج الفلاحين بالطبقات الشعبية في مشروع سيادي.
• على المستوى العالمي، الحركات البيئية والنسوية والمناهضة للعنصرية تسعى إلى زعزعة “الحسّ المشترك النيوليبرالي” الذي يقدّم السوق كقدر طبيعي.
هكذا نرى أنّ الكتلة التاريخية للمقاومة ليست محلية، بل هي أفق عالمي.
رابعاً: المثقف العضوي في كتلة المقاومة
غرامشي أعطى للمثقف العضوي دوراً مركزياً: هو الذي يربط بين التجربة الشعبية اليومية وبين الرؤية الكلية للمجتمع. في كتلة المقاومة، نرى بروز مثقفين عضويين: كتّاب، إعلاميون، فنانين، رجال دين، مفكرين، يجعلون خطاب المقاومة جزءاً من الحسّ المشترك الشعبي. بهذا يتحقق شرط غرامشي الأساسي: أن لا تبقى الفلسفة في برج عاجي، بل أن تتحول إلى قوة مادية حين تدخل في وعي الجماهير.
خامساً: استدعاء الفكر العربي النقدي
هنا يمكن استدعاء مهدي عامل الذي رأى أنّ الاستعمار يفرض كتلته التاريخية في العالم العربي عبر تحالفات برجوازية تابعة، وأنّ التحرر لا يتم إلا ببناء كتلة تاريخية مضادة تضم العمال والفلاحين. كما يمكن استدعاء سمير أمين الذي تحدث عن ضرورة بناء كتلة تاريخية عالمية للشعوب المقهورة في مواجهة الرأسمالية المعولمة. هذان المفكران يجعلان من مفهوم غرامشي أداة لفهم حاضرنا العربي والإفريقي والآسيوي.
سادساً: الكتلة التاريخية للمقاومة في مواجهة النيوليبرالية
اليوم، لم تعد النيوليبرالية مجرد سياسة اقتصادية، بل صارت كتلة تاريخية عالمية: اقتصاد سوق معولم، إعلام يصوغ قيم الاستهلاك، تعليم يكرّس الفردانية، ومؤسسات دولية تحمي الرأسمال. في مواجهتها، المقاومة تقدّم خطاباً بديلاً: التضامن، الشهادة، الكرامة، السيادة، العدالة. هذه القيم ليست محلية، بل يمكن أن تتحول إلى أفق كوني، يشكّل بدوره كتلة تاريخية بديلة.
خاتمة
من غرامشي إلى حاضرنا، يظل السؤال واحداً: كيف يُبنى التاريخ؟ الجواب الغرامشي هو: عبر الكتل التاريخية، أي عبر وحدة المادي والرمزي، الاقتصاد والسياسة والثقافة. واليوم، إذا كان العالم يرزح تحت كتلة تاريخية إمبريالية-نيوليبرالية، فإنّ البديل الذي يفرض نفسه هو كتلة المقاومة: في لبنان، في فلسطين، في اليمن، وفي حركات الشعوب. هذه الكتلة ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل مشروع شامل يعيد صياغة الحسّ المشترك للإنسانية حول قيم السيادة والعدالة والتحرر.
إنها الكتلة التاريخية لعصرنا: كتلة المقاومة، الأفق الجديد الذي يفتح إمكان تاريخ بديل.
اقرأ المزيد… الكتلة التاريخية للمقاومة: قراءة غرامشية في حاضر لبنان والعالم
